النزاع الدوليّ حول المياه (العراق-تركيا) أنموذجاً

علي يوسف

مجلة الابحاث الاستراتيحية - 2018-06-05


 

مفهوم النزاع الدوليّ، وخصائصه

يُعرَّف النزاع لغة بالصراع، والتضارُب، والشقاق، والبقتال، أمّا اصطلاحاً فيحدث النزاع نتيجة تقارُب، أو تصادم بين اتجاهات مُختلِفة، أو عدم التوافق في المصالح بين الطرفين، أو أكثر؛ ممّا يدفع بالأطراف المعنيّة مُباشَرة إلى عدم القبول بالوضع القائم، أو مُحاوَلة تغييره. فالنزاع يكمن في عمليّة التفاعُل بين طرفين على الأقلّ، ويُشكـِّل هذا التفاعل معياراً أساسيّاً لتصنيف النزاعات([1]).

إنَّ للنزاع تعاريف، ومفاهيم عِدّة إلا أنَّ مُعجَم مصطلحات القانون الدوليِّ عرَّف كلمة (نزاع) بأنها التعارُض، أو التناقض الذي يحدث في الحياة العمليّة بين الادِّعاءات، أو المصالح؛ بسبب التمسُّك بوجهات النظر المُتعارِضة حيث إنَّ كلَّ طرف يحاول ترجيح ادِّعائه، وهذا التعارض يخرج بالتالي من الإطار النظريِّ ليدخل الإطار العمليَّ، ويصبح مصدراً للتوتر([2]).

أمّا النزاع الدوليّ فقد عرَّفة د. عصام العطيّة بأنه (الخلاف الذي ينشأ بين دولتين على موضوع قانونيٍّ، أو حادث مُعيَّن، أو بسبب وجود تعارُض في مصالحهما الاقتصاديّة، أو السياسيّة، أو العسكريّة، وتباين حجمها القانونيّ بنشأتها([3])، وهنالك مَن يرى أنَّ مصطلح النزاع الدوليِّ يُشبه كثيراً المصطلحات الأخرى التي تـُوصَف بعدم الوُضُوح، ويُمكِن أن يُفسَّر على أساس معنيين أحدهما واسع يعني عدم الاتفاق في القانون الدوليِّ، أو الواقع، والثاني ضيِّق ويعني أنَّ أحد الأطراف يدَّعي طرف القانون، في الوقت الذي يرفض منه الطرف الآخر هذا الادِّعاء ([4])، والذي أخذت به -أيضاً- محكمة العدل الدولـيّة في العديد من القضايا التي فصلت فيها، ومنها على سبيل المثال: الرأي الاستشاريّ الذي أصدرته المحكمة بخصوص تفسير مُعاهَدة السلام مع بلغاريا وهنكاريا ورومانيا عام 1950، وقرارها بشأن قضيَّـتي التجارب النوويّة عام 1974 بين فرنسا وأستراليا من جهة وفرنسا ونيوزلندا من جهة أخرى.

ممَّا تقدَّم يُمكِن تعريف النزاع الدوليّ بأنه (النزاع الذي ينشأ بين شخصين أو أكثر من أشخاص القانون الدولي في مسألة، أو موضوع مُحدَّد يتضمَّن ادِّعاءات من جانب أحد الأطراف تـُقابَل بالرفض، أو ادِّعاءات مُقابلة من جانب الطرف الآخر).

 

أسباب النزاع الدوليِّ حول المياه بين العراق وتركيا

إنَّ للنزاع الدوليِّ عِدّة أسباب تتحكـَّم بمدى قوته بين الأطراف، وفيما يخصُّ دراستنا فيُمكِن أن نـُركـِّز على الأسباب الأساسيّة للنزاع بين العراق وتركيا، والتي هي أسباب قانونيّة، وأسباب سياسيّة.

الأسباب القانونيّة:

هناك عِدّة اتفاقـيّات عُقِدَت بشأن نهري دجلة والفرات بخصوص المياه؛ من أجل التوصُّل إلى القسمة العادلة للمياه بين البلدين، وهي:

1- أثناء فترة الانتداب وهي مُعاهَدة باريس المعقودة 32/كانون الأوَّل/1920 التي وُقـِّعت بين فرسا وبريطانيا بصفتهما الدولتين المنتدبتين على سورية، والعراق، وكذلك تركيا.

2- معاهدة لوزان بين دول الحلفاء وتركيا لعام 1923 التي وُقـِّعت بتاريخ 24 تموز 1923 من قبل دولة الانتداب البريطانيّ (العراق)، والانتداب الفرنسيّ (سورية)، وتركيا.

3- معاهدة حُسن الجوار بين العراق وتركيا لعام 1946 وُقـِّعت بتاريخ 29/3/1946، وتتضمَّن الاتفاقية بموجب المادة (6) من الاتفاقيّة ستة بروتوكولات. عالج البروتوكول الأوَّل تنظيم جَرَيان مياه دجلة والفرات وروافدهما، وتأكيد حقّ العراق في تنفيذ أيِّ إنشاءات، أو أعمال على النهرين تـُؤمِّن انسياب المياه بصورة طبيعيّة، أو السيطرة على الفيضانات سواء في الأراضي العراقـيّة، أم الأراضي التركيّة على أن يتحمَّل العراق تكاليف إنشائها.

4- برتوكول التعاون الاقتصاديِّ والفنيِّ بين العراق وتركيا عام 1971 للتعاون الاقتصاديِّ والفنيِّ بين البلدين، وتضمَّن بحث مُشكِلة المياه بين الطرفين.

5- برتوكول التعاون الفنيِّ والاقتصاديِّ عام 1980 بين العراق وتركيا، وانضمَّت إليه سورية عام 1983، ويقضي بتشكيل لجنة فنيّة مُشترَكة لدراسة القضايا المُتعلقة بالمياه الإقليميّة، مياه حوضي دجلة والفرات.

6- محضر اجتماع اللجنة العراقيّة-التركيّة المُشترَكة للتعاون الاقتصاديِّ والفنيِّ لعام 1980 في أنقرة.

7- بروتوكول التعاون الاقتصاديِّ والفنيِّ بين سورية وتركيا لعام 1987: إذ نصَّت المادّة السابعة منه على أن (يعمل الجانبان مع الجانب العراقيِّ لتوزيع مياه نهري الفرات ودجلة في أقرب وقت مُمكِن).

8- اتفاقية عام 1989 بين العراق وسورية: الذي يقضي بأن تكون حِصّة العراق المائيّة بنسبة سنويّة قدرها 58% من مياه نهر الفرات المُمرَّرة لسورية على الحدود السوريّة-التركيّة.

9- التعاون الاقتصاديّ والفنيّ بين العراق وتركيا عام 2003.([5])

كلُّ هذه الاتفاقيات، والبروتوكولات، ومحاضر الاجتماع رتـَّبت آثاراً، والتزامات قانونيّة بين الدول الثلاث لنهري دجلة والفرات، وهما: العراق، وتركيا, وسورية، ولكنه من حيث الاتفاق بين العراق وسورية لا يُوجَد خلاف يصل إلى حدِّ النزاع إلا أنَّ المُشكِلة الأساسيّة تكمن بين العراق وتركيا، إذ إنَّ لكلِّ دولة وجهة نظر خاصة بها بشأن نهري دجلة والفرات.

فيرى العراق واستناداً إلى قواعد القانون الدوليِّ أنَّ نهري دجلة والفرات هما نهران دوليّان، إذ عرَّف القانون الدوليّ النهر الدوليّ (هو ذلك النهر الذي يشقّ مجراه بين دولتين متجاورتين، أو عبر إقليم أكثر من دولة).([6]) وأنَّ ما يُميِّز النهر الدوليَّ عن النهر الوطنيِّ هو عُبُوره، أو مُجاوَرته إقليم أكثر من دولة، بينما النهر الوطنيّ لا يتجاوز حُدُود دولة واحدة، ويخضع تماماً لسيادة الدولة.

وإذا ما عكسنا تعريف النهر الدوليِّ على نهري دجلة والفرات نـُلاحِظ أنَّ النهرين ينبعان من تركيا، ويمران في سورية، ثم إلى العراق؛ ومن ثم فإنَّ النهرين يمران في ثلاث دول، وهي دولة المنبع، والممرّ، والمصبّ، فكان نهرا دجلة والفرات مُشترَكين بين جميع الدول التي يجريان فيها، فتكون حقوقهما مُتساوية، ومُتكامِلة مع كلِّ ما يترتب على ذلك من قيود على حُرّيّة الدول بالتصرُّف في الجزء الذي يبقى تحت سيادتها فلا تنفرد إحداهما من دون موافقة الدول الأخرى على إقامة مشروع للانتفاع بمياه النهر في الجزء الذي يجري في إقليمها، إضافة إلى ذلك أكـَّدت المادّة 5/ فقرة 1 من الاتفاقـيّة الدوليّة لاستخدام المجاري المائيّة للأغراض غير الملاحيّة لعام 1997 التي تنصّ (تنتفع دول المجرى المائيّ كلّ في إقليمها بالمجرى المائيِّ الدوليِّ بطريقة مُنصِفة ومعقولة، وبصورة خاصة تستخدم هذه الدول المجرى المائيَّ الدوليَّ، وتنمِّيه بغية الانتفاع به بصورة مُثلى، ومُستدامة، والحُصُول على فوائد منه مع مُراعاة مصالح دول المجرى المائيِّ المعنـيّة على نحو يتفق مع توفير الحماية الكافية للمجرى المائيّ).([7])

أمَّا موقف تركيا تجاه نهري دجلة والفرات فإنها تنظر إليهم باعتبارهم مياهاً عابرة للحُدُود، ولا يُمكِن اعتبارهما نهرين دوليّين مُطبِّقة بذلك مبدأ (هارمون) الذي لم يُؤخـَذ به حتى في الولايات المُتحِدة الأميركيّة على أساس أنَّ لها حقَّ السيادة المطلقة على المياه التي تنبع من أراضيها، واستغلالها بالشكل الذي تراه مُناسِباً من دون مُراعاة حقوق الدول المُتشاطِئة معها: (العراق، وسورية).

ومن ثم فإنَّ الاتفاقيات الدوليّة المُتعلـِّقة بهذا الشأن لا تنطبق على هذين المجريين. ويُؤكـِّد ذلك مسلك تركيا على الصعيد الدوليِّ فهي كانت من بين الدول الثلاث التي صوَّتت ضدَّ اتفاقية الأمم المُتحِدة حول الأنهار الدوليّة عام 1997 باعتبار أنها تتعارض مع قواعد القانون الدوليّ، ولا تحقق المُساواة بين دول المجرى المائيِّ، كما أنها لا تتضمَّن أيَّ إشارة لمسألة سيادة الدولة النهريّة، أو الشاطئـيّة على جزء المجرى المائيِّ المارِّ في إقليمها، كما أنَّ التصريحات الرسميّة للمسؤولين الأتراك تـُبيِّن هذا المسلك بشكل واضح، فقد أعلن سليمان ديميريل رئيس وزراء تركيا عام 1990: "إنَّ لتركيا السيادة على مواردها المائية، ولا يجب أن تخلق السُدُود التي تبنيها على نهري الفرات ودجلة أيَّ مُشكِلة دوليّة، ويجب أن يدرك الجميع أنه لا نهر الفرات ولا نهر دجلة من الأنهار الدوليّة، فهما من الأنهار الوطنيّة حتى النقطة التي يغادران فيها الإقليم التركيّ([8]). ثم أكـَّد مرّة أخرى بمُناسَبة افتتاح سد أتاتورك على نهر الفرات: " إنَّ ما يعود إلى تركيا من مجاري مياه الفرات ودجلة وروافدهما هو تركيّ، وإنَّ بإمكان تركيا أن تتصرَّف بهما كما تشاء داخل حُدُودها؛ لأنَّ مصادر المياه تركيّة، كما أنَّ آبار النفط تعود ملكيتها إلى العراق وسورية، إنها مسألة سيادة([9]). كما صرّح مسعود يلماظ رئيس الوزراء التركيِّ الأسبق بقوله: "إنَّ المياه نفطنا، وإن كان هناك مَن يرضى باقتسام نفطه مع الآخرين فتركيا على استعداد لاقتسام مياهها"، وفي شأن ذلك أعلن وزير الدولة التركيّ والمسؤول الأوَّل عن مشروع جنوب شرق الأناضول كمران ايتان إنّ " نهر الفرات ليس نهراً دوليّاً، فهو نهر مياهه ما وراء الحُدُود، ولذلك وضعه غير مُرتبط بالمعاهدات الدوليّة التي تسري على الأنهار الدولية".([10])

إنَّ هذه المواقف الرسميّة للمسؤولين الأتراك تـُشير بصورة واضحة إلى أنَّ تركيا تعتبر مياه نهري دجلة والفرات مياهاً عابرة للحدود، وليست مجاري مياه دوليّة، وأنهما ثروة طبيعيّة وطنيّة تخضع للسيادة المطلقة لتركيا، لكنَّ القانون الدوليَّ لا يُؤيِّد بشكل قاطع هذا الموقف التركيّ، وحتى لو سلمنا جدلاً بوجهة النظر التركيّة هذه فلا يُوجَد فارق بين المجرى المائيِّ الدوليِّ والمياه العابرة للحدود، والفارق الوحيد الذي يُمكِن أن يظهر هو في التسمية فقط، ويُؤيِّدنا في ذلك نصُّ الفقرة (1) من المادّة (1) من اتفاقية الأمم المُتحِدة المتعلقة باستخدام، وحماية مجاري المياه العابرة للحدود، والبحيرات الدوليّة لعام 1992 إذ عرَّفت المياه العابرة للحدود بقولها: (المياه العابرة للحدود تعني أيَّ مياه سطحيّة، أو جوفيّة فاصلة، عابرة أو واقعة بين إقليم دولتين، أو أكثر تتدفق مباشرة نحو البحر، وهذه المياه العابرة للحدود تعين نهايتها عند مصبها بخط مستقيم يصل بين نقطتين على ضفتيها عند أدنى مُستوى للمياه)، فهذا التعريف مُشابه لتعريف المجرى المائيِّ الدوليِّ الذي نصَّت عليه أحكام هلسنكي لعام 1966 الذي نصَّت عليه -أيضاً- اتفاقية عام 1997، وهذا يُؤكـِّد أنه لا يُوجَد فارق جوهريّ بين المجرى المائيِّ الدوليِّ والمياه العابرة للحدود؛ لأنَّ المجرى المائيَّ الواقع في دولة مُعيَّنة بمُجرَّد عُبُوره الحُدُود السياسيّة الفاصلة بين هذه الدولة ودولة أخرى ستزول عنه الصفة الوطنيّة، وتنطبق عليه الصفة الدوليّة، أي: سيصبح مجرى مائيّاً دوليّاً، وستكون مياهه -بحكم طبيعتها- مياهاً عابرة الحدود تنطبق عليها مبادئ وقواعد القانون الدوليِّ المتعلقة بمجاري المياه الدوليّة.

 

الأسباب السياسيّة

إنَّ للنزاع الدوليِّ حول نهري دجلة والفرات أسباباً سياسيّة دفعت إلى تأزُّم الوضع حولهما: ولعلَّ أهمَّ هذه الأسباب هو لم تتمكـَّن دول نهري دجلة والفرات (تركيا، سورية، العراق) من التوصُّل إلى صيغة كاملة شاملة لتقسيم المياه، وضبطها، وتوزيعها، ومن ثم إلى زيادة الإيرادات في إطار جماعيٍّ مُلزِم وفق قواعد القانون الدوليِّ، ومصالح كلِّ الأطراف. وقد كانت هنالك اتفاقيات عِدّة بين البلدان الثلاث إلا أنَّ تركيا لم تلتزم ببُنُود هذه الاتفاقيات، فقد تجسَّدت مواقف تركيا، ولاسيَّما في قضيّة نهر الفرات بعدم الاعتراف بالصفة الدوليّة للنهر (منذ بداية المُفاوَضات) إذ تعدُّه نهراً عابراً للحدود، كما تعُدُّ مياه النهر ثروة قوميّة خاضعة لسيادة الدولة التركيّة وحدها، ويُؤكـِّد الأتراك أنه ليس هناك قوانين دوليّة تـُفرِّق بين مجاري (المياه الدوليّة) التي تمرُّ عبر الحُدُود ([11])، وكذلك من أجل الاستمرار بإنشاء مشاريعها على نهري دجلة والفرات من دون مُراعاة حقوق العراق، وسورية، وحِصَصِهما في كميّات المياه الواردة إليهما خُصُوصاً مشروع الكاب، ومشروع سد أليسو على نهر دجلة، كما أنَّ تركيا تنظر إلى المياه كأحد عناصر الأمن القوميِّ إذ تتجه دول المنطقة في سياق تغيير العلاقات الدوليّة، ومناخ الاستثمار الدوليِّ إلى الزراعة وتحديداً المحاصيل الغذائيّة، وليس أمامها سوى الريِّ الدائم في ظروف الجفاف السائد، كذلك رغبة تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبيّ، وهذا يتطلب نـُموّاً اقتصاديّاً سريعاً بدوره يتطلب الاستخدام الأقصى للمياه من أجل الحُصُول على تنمية زراعيّة مُتقدِّمة، وكذلك تـُظهـِر تركيا نفسها كقوة إقليميّة بارزة في المُستقبَل على الصعيد المائيِّ بحيث تمارس المزيد من الضغوط على جيرانها لأجل إحكام السيطرة التي تملكها الآن على هذا المورد.([12])

لم يكن للمفاوض العراقي دور في المحافظة على حقوق العراق المائيّة مع استمرار المماطلة من قبل الجانب التركيِّ. فبعد استكمال مشاريع السدود المُقامة على نهر الفرات اتجه لاستغلال مياه نهر دجلة، وكان آخرها إنشاء سدّ أليسو الذي يوفر طاقة مقدارها 1.200 متر مكعب، وسيكون سعته 10.4 بليون م3 للجانب التركيِّ؛ ممّا يُؤدِّي إلى الإضرار بمصلحة العراق المائيّة إذ يُشير أغلب المُختصِّين إلى أنَّ إنشاء هذا السدّ سيُحجِّم دور سدّ الموصل، علاوة على أنَّ المُفاوض العراقيَّ بدأ يُركـِّز من خلال مُفاوَضاته مع الجانب التركيِّ على موضوع تقاسُم الحِصَصِ المائيّة لنهري دجلة والفرات على أساس نِسَب مُعيَّنة من دون النظر إلى الإطار القانونيِّ،إذ إنَّ الإصرار على النِسَب سيُعطي الحقَّ للجانب التركيِّ؛ لأنه سيحتجُّ بتعداد الشعب التركيِّ الذي بلغ 76 مليون نسمة مُقابل تعداد الشعب العراقيِّ الذي يصل إلى حوالى 35 مليون نسمة؛ ومن ثم يجب التركيز على إخضاع الدول الثلاث إلى التوصُّل إلى اتفاق قانونيّ مُلزِم.

كما أنَّ للظرف الأمنيِّ الذي مرَّ به العراق منذ عام 2003 ولحدِّ الآن أثراً على ملفِّ المياه. فبعد تشكيل حكومة د. حيدر العباديّ، وبعد انفتاح وزارة الخارجيّة العراقـيّة في إعادة تقييم لعلاقة العراق مع دول الجوار بالاعتماد على المصالح الاقتصاديّة للجانب التركيِّ في العراق، ولوجود خطر يُهدِّد المنطقة "داعش" نرى أن يُطرَح ملفُّ المياه على طاولة المُفاوَضات مع الجانب التركيِّ للتوصُّل إلى عقد اتفاقـيّة مع الدول الثلاث، يُضاف إليها وُجُود حزب العمال الكردستانيِّ على الأراضي العراقـيّة، والسوريّة الذي يجعل منه عاملاً مُهمّاً في استخدام ملفِّ المياه كورقة ضغط من قبل تركيا على البلدين من أجل إخراج الحزب من أراضيهما.

 

مُعالجات أسباب النزاع

إنَّ لمعالجات أسباب النزاع طرقاً عِدّة، ومنها: إمّا وفق قواعد، وأحكام القانون الدوليِّ، أو استخدام أساليب ضغط سياسيّة، واقتصاديّة.

أوَّلاً: وفق قواعد أحكام القانون الدوليّ.

في مجال الأنهار الدوليّة هناك مبادئ عامة. أهمُّها: مبادئ حُسن الجوار، وحُسن النيّة، وعدم الإضرار بالغير، والانسجام القانونيّ مع الذات، وتنفيذ الالتزامات التعاقديّة، وعدم التعسُّف في استعمال الحقِّ، وحلّ المنازعات بالطرق السلميّة، والتفاوض عند الخلاف، ومبدأ المُساواة في السيادة بين الدول، وحفظ السلام، والأمن الدوليَّين، وتنمية العلاقات الوديّة بين الأمم، وعدم استعمال القوة، وتشجيع التقدّثم المُطـَّرد للقانون الدوليِّ، وغيرها من المبادئ التي نصَّ عليها ميثاق الأمم المتحدة التي يُستنتـَج منها أنَّ هناك مبادئ خاصّة بموضوع المياه كمبدأ المُساواة في حقِّ استعمال المياه، علاوة على مبدأ عدم جواز الإضرار بالغير الذي يُمكِن اشتقاقه من مبدأ حُسن الجوار([13])، ومبدأ عدم التعسُّف في استعمال الحقِّ، ومبدأ حُسن النيّة.

واستناداً إلى الحقائق السابقة فإنَّ العراق من جانبه قد حرص منذ عام 1962 انطلاقاً من وعيه بحقيقة هذه الأخطار، وحجمها، وأبعادها على إجراء العديد من المُفاوَضات، والمُباحَثات، واللقاءات الثلاثيّة والثنائيّة مع تركيا وسورية من أجل التوصُّل إلى اتفاق من هذا النوع يُحدِّد الحِصَص المائيّة في كلِّ نهر على أساس عادل ومعقول، كما سعى من خلال هذه الجهود إلى وضع الحُلول العمليّة لعدد من المسائل الأخرى المتعلقة باستغلال المياه كأسبقيّة إنشاء السُدُود والخزانات، وطريقة تشغيلها، ووقت إملائها، وكيفية تقسيم الزيادة، أو النقص الذي يطرأ على الوارد المائيِّ، وكيفيّة تصنيف الأراضي الصالحة للزراعة، وغيرها من المسائل الأخرى. ومع ذلك فقد أخفقت هذه الجُهُود في إيجاد الحلول الحاسمة، والجذريّة لهذه الموضوعات، والتوصُّل إلى اتفاق دائم بشأنها؛ ويعود ذلك في الحقيقة إلى تعنـُّت الجانب التركيِّ من جهة، ومُماطلته من جهة أخرى، وعدم جدّيته في التوصُّل إلى هذا الاتفاق، ورغبته في تأجيل الموضوع إلى أطول فترة مُمكِنة؛ حتى يستكمل مشروعاته الإروائيّة والخزنيّة ضمن حوضي النهرين، ويجعل العراق وسورية أمام الأمر الواقع.

لو حاولنا تحليل هذه المواقف لوجدنا أنَّ سبب تعنـُّت الأتراك في موقفهم هذا يرجع في الأساس إلى اعتقادهم، أو ادِّعائهم أنهم يتمتعون بحقٍّ سياديٍّ مطلق على نهري دجلة والفرات ضمن حُدُود بلادهم بوصفهما من الأنهار التركيّة الوطنيّة الخالصة التي تنبع من أراضيهم، وليسا من الأنهار الدوليّة، وواضح من هذا الاعتقاد أو الزعم أنه يتنافى مع المبادئ، والقواعد الدوليّة المعنيّة التي استقرَّت في مُحيط العلاقات الدوليّة، كما أنه لا يعدو كونه تعبيراً حقيقيّاً لنظريّة السيادة المطلقة التي نادى بها بعض الفقهاء القدامى المُتعصِّبون التي طواها الزمن، ورفضها المُجتمَع الدوليُّ المُعاصِر، كما سورية كانت تتخذ خلال هذه المفاوضات موقفاً مُشابهاً للموقف التركيِّ المذكور سواء من حيث رغبتها في إدماج مياه النهرين معاً عند تحديد الحقوق المائيّة للعراق، أم من حيث التحكم في المياه التي تطلقها إليه من نهر الفرات بخاصّة أنَّ أيَّ نقص يطرأ على حِصّتها المائيّة في هذا النهر تـُعوِّضه مُباشَرة من حِصّة العراق المائيّة فيه دون أدنى مُبالاة بما يُمكِن أن يُسبِّبه ذلك له من أضرار، وخسائر جسيمة؛ لذا فإنها كثيراً ما تراجعت، وتهرَّبت خلال هذه المُفاوَضات عند اقتراب التوقيع مع العراق على اتفاق حول هذه المسائل؛ ممّا شجَّع تركيا على التهرُّب من التوصُّل إلى عقد اتفاق ثلاثيٍّ مُشترَك؛ بحُجّة تعذر توصُّل الطرفين الآخرين إلى اتفاق ثنائيٍّ بينهما. وهكذا بقيت مُشكِلات استغلال النهرين قائمة لحدِّ الآن من دون التوصُّل إلى اتفاق بشأنها على الرغم من مُرُور أكثر من خمسة وثلاثين عاماً على تشكيل اللجنة الفنيّة المُشترَكة للمياه في عام 1980 التي سبقت الإشارة إليها؛ لذا يتعيَّن على سورية وهي مُتضرِّرة -أيضاً- من السياسة المائيّة التركيّة المُتعنـِّتة أن تـُوحِّد سياستها المائيّة مع سياسة وجُهُود شقيقها العراق في هذا المجال، وأن تسعى بنيّة خالصة وجادّة للتوصُّل إلى اتفاق ثنائيٍّ معه، أو على الأقلِّ إيجاد أرضيّة مُشترَكة أمام السياسة المائيّة المنفردة والمُتسيِّدة لتركيا؛ لذا يتعيَّن عليها أن تعي الدوافع الحقيقـيّة للموقف التركيِّ، وأن تعمل جاهدة مع العراق على دحض حُجَج، وادِّعاءات، واقتراحات الأتراك غير العادلة، وغير المشروعة في استغلال مياه النهرين.([14])

كذلك أرى بإمكان المُفاوض العراقيِّ أن يستغلَّ انقطاع العلاقات السياسيّة بين تركيا وسورية فيما يخصُّ موضوع الجماعات المسلحة المُقاتلة في سورية، ودعم العراق للجانب السوريِّ على مُستوى المحافل الدوليّة من أجل مُحارَبة الإرهاب التوصُّل إلى اتفاق عراقيّ-سوريّ على ملفِّ المياه.

ثانياً: وفق خطط مُستقبَليّة اقتصاديّة، واستراتيجيّة

يُمكِن معالجة أسباب النزاع عن طريق استخدام خطط مُستقبَليّة، منها: على المُستوى الداخليّ كاستخدام طرق حديثة، واقتصاديّة للريِّ كالتقطير الذي يوفر أكبر كميّة مُمكِنة للمياه، وكذلك عدم هدر كميات كبيرة من المياه في مساحات كبيرة من الأراضي غير المزروعة، والاستغلال الأمثل للمياه المُتوافِرة، أو الواردة إلى العراق، وأن تقوم بترشيد الاستخدامات المُتعدِّدة لها. وهذا يتأتى من خلال تركها الأساليب القديمة التي تـُؤدِّي إلى هدر، وضياع المياه، ولاسيَّما في عمليّات الريِّ، أو الإرواء، والعمل على الأخذ بالأساليب العلميّة الحديثة التي ثبت نجاحها وفائدتها، كما يتعيـَّن على هـذه الجهــات أن تـُولي اهتمامــاً أكبر لمشروعات الخزن الاستراتيجيِّ لمياه النهرين المُتوافِرة، أو الواردة منهما، وأن تستفيد في ذلك من السنوات التي تزيد فيها وارداتهما المائيّة عن المُعدَّلات الاعتياديّة، وكذلك فرض الضرائب على المياه، وإنشاء سدّ في المنطقة التي يقترب منها نهري دجلة والفرات لكي يتمَّ تعويض النقص الحاصل في نهر الفرات من نهر دجلة في فصل الصيف، وكذلك خزن كميّات كافية من نهري دجلة والفرات في فصل الشتاء إذ إنَّ الجانب التركيّ يزيد غالباً كميات المياه خلال زيادة إنتاجيّة الطاقة الكهربائيّة في فصل الشتاء.

أمّا على مُستوى التعامُل مع الجانب التركيِّ فيتمُّ الضغط على الجانب التركيِّ عن طريق عِدّة ملفات منها الجانب التجاريّ إذ بلغ حجم التبادُل التجاريّ بين العراق وتركيا خلال عام وصل إلى 11 مليار دولار، وكذلك الشركات التركيّة في العراق، وملفّ حزب العمال الكردستانيّ وغيرها من الملفات التي تمنح المفاوض العراقيِّ قوة من أجل التوصُّل إلى اتفاق مع تركيا حول قسمة عادلة للمياه.

 

الخاتمة:

لِمَا تقدَّم أعلاه يُمكِن التوصُّل إلى أنَّ نهري دجلة والفرات نهران دوليان؛ لمُرُورهما بثلاث دول؛ وطبقاً لكلِّ القواعد، والأعراف الدوليّة أنَّ لكلِّ واحد منهما حوضاً مائياً، وخصائص طبيعيّة يستقلُّ بها عن الآخر، وأنهما بهاتين الصفتين الدوليّة والطبيعيّة يُرتبان لكلٍّ من تركيا وسورية والعراق حقوقاً مائيّة مُتقابلة وثابتة لا يجوز لطرف منهم المساس بها، أو إنقاصها، أو التأثير فيها بأيِّ شكل من الأشكال، أو تحت أيِّ ذريعة، أو ظرف إلا بالاتفاق المسبق مع الطرفين الآخرين، أو مع الطرف المُتأثـِّر، أمّا بالنسبة إلى العراق فإنه يُعَدُّ المُتاثـِّر الأوَّل، والمُباشِر من أيِّ مشروع صناعيٍّ، أو إروائيٍّ مُقام من قبل تركيا، أو سورية في حوضي النهرين، وهذه نتيجة مُسلـَّم بها باعتباره دولة مصبّ.

لذا فإنَّ من الضروريِّ السعي لإيجاد اتفاقـيّة ثلاثية تضمن حقوقه المشروعة في مياه النهرين، على الرغم من مماطلة الجانب التركيِّ والسوريِّ في التوصُّل إلى اتفاق من أجل كسب وقت أكبر لغرض إكمال كلٍّ من الجانبين المشاريع الخاصّة بهما على نهري دجلة والفرات، إلا أنَّ ذلك لا يمنع من مُساءلتهما طبقاً لقواعد المسؤوليّة المعروفة في القانون الدوليِّ عن تعويض أيِّ أضرار ذات شأن لحقت، أو تلحق بالعراق مُستقبَلاً من جراء النقص الحادّ، والمُستمِرِّ لحِصّتيه المائيتين في نهري دجلة والفرات، أو حتى رداءة نوعيّة المياه الواردة إليه منهما، وكذلك العمل على تحديد حِصّة مائيّة ثابتة لكلٍّ من العراق، وسورية، وتركيا في كلٍّ من نهري دجلة والفرات (وفق اتفاقية) على أن تـُحتسَب هذه الحِصَّة طبقا للاستغلال السابق لهذين النهرين، ووفقاً لمساحة حوضيهما، وطول مجراهما في إقليم كلِّ دولة، وليس على أساس نِسَب مئويّة لكلِّ دولة من هذه الدول على أن تكون حِصّة العراق المائيّة في كلِّ نهر مُستقِلة عن حِصَّته المائيّة في النهر الآخر؛ لأنهما حوضان مُستقِلان.

 

[1] بوتول غاستون, هذه هي الحرب, ترجمة محمد قنواتي, منشورات عويدات، ط1, مصر, 1981، ص67.

[2] عصام العطيّة، القانون الدوليّ العامّ، ط5، بغداد، 1992، ص30.

[3] عصام العطيّة، المصدر نفسه، ص 423.

[4] - جابر إبراهيم الراويّ، المنازعات الدوليّة، مطبعة دار السلام، بغداد، 1987، ص20.

[5] سمير هادي سلمان، القواعد الدولية المنظمة لاقتسام المياه ومشكلة توزيع مياه حوضي دجلة والفرات، معهد العلمين، النجف الأشرف، 2014، ص14.

[6] - حقي النداوي، النزاعات الدولية للمياه المشتركة في بلاد ما بين النهرين، منشورات زين الحقوقية، بيروت، 2013، ص 32.

[7] - عبد العزيز شحادة المنصور، المسألة المائية في السياسة السورية تجاه تركيا، رسالة ماجستير، مقدمة إلى مجلس كلية الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة، 1997، ص122.

[8] عبد الحميد مهدي الكليدار، حوض دجلة والفرات والعلاقة السياسيّة (العراقيّة- السوريّة- التركيّة)، جريدة المؤتمر، العدد (921)، 2005، ص4.

[9] سليمان الشيخ، تركيا تعمق الخلاف مع سورية والعراق على مياه دجلة والفرات، 2006، ص2. www.almyah.com

[10] مرتضى جمعة حسن، الآثار السلبيّة لإنشاء سدّ أليسو على نهر دجلة وموقف القانون الدوليّ، 2005، ص3.www.almyah.com

[11] طارق المجذوب، لا أحد يشرب، شركة رياض الريس للكتب والنشر، الطبعة الأولى، بيروت، ١٩٩٨، ص٢٤٧-248.

[12] زلميس م .دومينيغيز كورتينا، الماء مورد حيوي ومصدر للنزاعات في مطلع الألفية الجديدة، فصل من كتاب الصراع حول المياه الإرث المشترك للإنسانية، مركز البحوث العربية والإفريقية، ترجمة سعد الطويل ومصطفى مجدي، مكتبة مدبولي، الطبعة الأولى، القاهرة، ٢٠٠٥، ص51.

[13] جعفر خزعل جاسم، قواعد استغلال الأنهار الدولية، بغداد، 1993، ص43.

[14] سالم الياس سليمان، الموارد المائية في حوضي نهري دجلة والفرات في تركيا، رسالة ماجستير، معهد الدراسات الآسيوية والأفريقيّة، الجامعة المستنصرية، 1988، ص 105 وما بعدها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بحث منشور في مجلة ابحاث استراتيجية العدد (11)، كانون الثاني 2016.