المياه العابرة للحدود والعلاقات العراقيّة-التركيّة

د. توبة أفريم مادان/ الخبيرة التركية في شؤون المياه

مجلة الابحاث الاستراتيحية - 2018-06-04


مع زيادة عدد السكان, وتغيُّر الظروف المناخيّة, والتوسُّع العمرانيِّ أدَّت إلى زيادة الطلب على المياه؛ وبالنتيجة فالتلوُّث الناجم عن أنشطة البشر اليوميّة، وغيرها من العوامل التي أدَّت إلى زيادة الضغط على الموارد الطبيعيّة. وبصورة عامة لو نظرنا لتوزيع المياه في الكرة الأرضيّة لرأينا عدم توزيعها بالتساوي.

تـُعَدُّ منطقة الشرق الأوسط التي تقع تركيا ضمنها من المناطق ذات الموارد المائيّة، وكذلك منسوب الأمطار فيها تحت مُتوسِّط المُستوى العالميّ.

تـُعَدُّ تركيا والعراق من أكبر الدول المُتشاطئة على الأحواض في منطقة الشرق الأوسط من خلال حوضَي الدجلة والفرات. استعمالات مياه هذين النهرين مع الدولة السوريّة المُشترِكة في نهر الفرات مع العراق وتركيا كانت مُختلِفة من حيث الظروف التي تمرُّ على طبيعة العلاقات بين البلدين. فكانت مرّة السبب في تقوية العلاقات، وفي عهد آخر السبب في المشاكل بين البلدين. القضايا المُتعلـِّقة بين البلدين يستند ظهورها إلى سنة 1940, لكنَّ التوتر الحقيقيَّ بين الدول المُتشاطِئة بدأت بالظهور بعد عام 1960.

يتضمَّن المجلد الأوَّل من "معاهدة الصداقة وحسن الجوار" المُوقـَّعة بين العراق وتركيا بتاريخ 29 مارس 1949 في مُلحَقها الأوَّل: ((التعديلات البروتوكوليّة الخاصّة بمياه الدجلة والفرات والأفرع الخاصة بهما)). حسب المُعاهَدة المنصوصة يتوجَّب على تركيا حماية تدفـُّق المياه من خلال إنشاء المشاريع التي تضمن هذه الحماية وذلك على نهري الدجلة والفرات, ومن جانبه فإنَّ العراق يتكفـَّل مصاريف الهياكل التي تـُنشَأ داخل الأراضي التركيّة لحماية أراضيها من مخاطر الفيضانات، والانجرافات، إضافة إلى ذلك تتضمَّن الفقرة الخامسة من بُنود هذه المُعاهَدة إعلام الجانب العراقيِّ بأيِّ مشاريع تـُقام على نهرَي دجلة والفرات في الأراضي التركيّة. وفي تسلسل الأحداث, وبتحديد في 7 شباط 1976 تمَّ التوقيع على مُعاهَدة " اتفاقيّة التعاون الاقتصاديِّ والفنيّ" بين الجمهوريّة التركيّة، والحكومة العراقيّة؛ وعلى ضوء هذه الاتفاقـيَّة قرَّرت الدولتان تشكيل لجنة مُشترَكة للعمل على هذه المُعاهَدة في المجال الاقتصاديِّ والفنيّ. تضمَّن الاجتماع الدوريُّ الأوَّل للجنة الاقتصاديّة المُشترَكة بين العراق وتركيا بتاريخ 22-25 كانون الثاني 1980 النظر في المسائل والمشاكل العائدة لأحواض نهرَي دجلة والفرات؛ وعلى ضوء الاجتماع تمَّ الاتفاق على تشكيل لجنة فنيّة مُشترَكة للنظر في هذا الموضوع.

حتى سنة 1960 لم تظهر مشاكل بين الدول المُتشاطِئة الثلاث، ومن ضمنها سورية. ظهرت أوَّل أزمة كبيرة بين تركيا وسورية في تاريخ المياه وذلك في فترة ملء سدَّي كيبان والطبقة لنهر الفرات.

عمليّة ملء السدَّين جرت بشكل غير مُخطـَّط له، ومن دون علم مُسبَّق للطرفين, إذ كانت تركيا مُتعهِّدة للجهة المُموِّلة وهي الوكالة الأميركيّة للتنمية بملء السدِّ بمقدار 450 م3ثا فيما يخصُّ سدّ كيبان, ومن جهته قامت سورية بملء سدّ الطبقة في الوقت نفسه؛ ممَّا أدَّى إلى انخفاض كبير في منسوب مياه نهر الفرات الواصلة إلى العراق.

ساءت العلاقات العراقيّة-السوريّة؛ بسبب انخفاض مُعدَّلات منسوب المياه الواصلة إلى العراق، وفي تاريخ 3 حزيران 1975 تدخـَّلت الممكلة العربيّة السعوديّة، ومنعت من وقوع الحرب من خلال توقيع اتفاقيّة.

وقد لـُوحِظت أزمات مُتشابهة منها في إنشاء وملء سدّ أتاتورك, وسد بيرجيك، وسدّ أليصو حالياً.. نفس المُعوِّقات مُستمِرّة على سدّ أليصو، وهو سد أنشِئ لأغراض إنتاج الكهرباء.

فيما يخصُّ الأحواض الدول الثلاث المُتشاطِئة على نهري الدجلة والفرات لا تملك أيَّ مُعاهَدات، أو اتفاقيّات، ولكن بين السنوات 1960-1980 الدول الثلاث وإن لم تكن بشكل رسميٍّ اجتمعت، وقامت بنقل المعلومات فيما بينها. ومنذ سنة 1980 اعتبرت اللجنة الفنية المشتركة لجنة رسميّة مُعتمَدة. في عام 1984 قدَّمت تركيا إلى كلٍّ من العراق، وسورية مُقترَحاً بثلاث مراحل. وتركزت الخطة بالشكل الرئيس على تخصيص المياه. وكخطوة أولى يجب على الدول المُتشاطِئة الثلاث تحديد مصادر مياهها. وفي وقت لاحق يجب على كلِّ دولة يجب أن تحدِّد مواردها الطبيعيّة من الأرض. وفي الخطوة الثالثة يتمّ تحديد كميات المياه لكلِّ دولة حسب احتياجاتها، ومتطلباتها من المياه استناداً إلى الأرض، ومصادرها المُتوافِرة.

ووفقاً لهذه الخطة فإنَّ استخدامات مياه نهري الدجلة والفرات ستكون ضمن إطار الاستخدام الأمثل، وضمن الترشيد.. ضمن خطة الاستخدام الأمثل للمياه يتوجَّب على الدول المتشاطئة نقل البيانات، وكامل التفاصيل فيما يخصّ استخدامها للمياه. العراق وسورية بخصوص نقل البيانات لا يعملان بجدّية.

اعترض كلّ من العراق وسورية على خطة نقل البيانات؛ لأنَّ تركيا تنظر إلى نهري دجلة والفرات بأنه حوض واحد في حين يراه كل من سورية والعراق حوضين ونهرين منفصلين، إضافة إلى أنَّ العراق وسورية ينظران إلى دجلة والفرات بأنهما نهران دوليّان؛ لذا يعترض العراق وسورية على التخصيصات المائية.

تعتبر اتفاقية تركيا-سورية لسنة 1987 من الاتفاقيات المهمة فيما يخصّ مسألة المياه والتي بدورها نقطة تحول في هذا الموضوع.

المادة السادسة من بنود العقد تنص على ما يلي: " فيما يخص بحيرة وسد أتاتورك خلال مدة ملء السدة وإلى حين التوصُّل إلى الاتفاق النهائيِّ بين الدول الثلاث فيما يخصّ توزيع الحِصَصِ المائيّة تتعهَّد تركيا بإطلاق 500 م3/ثا، وفي حال حُدُوث نقص في أحد الأشهر في الحِصّة من 500 م3/ثا فإنَّ الجانب التركيَّ يقوم بتعويض النقص في الأشهر التالية". بعد هذه الاتفاقية بتاريخ 16 نيسان 1990 عقد كل من العراق وسورية ضمن اجتماعهما 13 للجنة الفنية في بغداد اتفاقية مصالحة لتوزيع حِصّة مياه الدولتين التي تضمَّنت أن يأخذ العراق نسبة 58% من حِصّة المياه المُنطلِقة من تركيا.

في سنة 2009 قام العراق وتركيا بإبرام اتفاقية تحت عنوان "مذكرة التفاهم حول المساحة المائية" بخصوص نهري الدجلة والفرات تضمنت المذكرة العديد من الامور التي تخص تشغيل وادارة الاحواض ومياه النهرين، وضُمِّنت فقرة وهو في حال حدوث تلوث في المياه يتوجب على الطرف المُسبِّب بالتلوث القيام بإجراء التعديلات، أو تعويض الضرر.

مذكرة التفاهم تتضمَّن -أيضاً- نقل البيانات الخاصة بالمعلومات الهيدروجيّة، والأرصاد الجويّة. تم توقيع مذكرة التفاهم من الطرف العراقي وزارة الموارد المائية (عراق) ومن الجانب التركيّ وزارة الغابات والشؤون المائيّة.

منذ فترة طويلة العراق يعترض على إنشاء السدود في منبع النهرين (تركيا) وفي كل مناسبة يتهم تركيا بقطع المياه، إضافة إلى هذه الامور ينظر الى حوضي دجلة والفرات كونهما حوضين منفصلين. العراق يرى أنّ نهري دجلة والفرات نهران دولياً؛ وعليه يتوجب تقسيم مياه النهرين على الدول الثلاث: (تركيا، العراق، وسورية) حسب الحاجة. بينما ترى تركيا أن النهرين هما نهران عابران للحدود، وأنّ حوضي النهرين هما حوض واحد، وحسب توصيات اللجنة التي انعقدت بين الدول في سنة 1984 يتعيَّن توزيع المياه حسب الاحتياجات المُتخصِّصة ضمن البيانات.

حسب تصريحات الامم المتحدة في سنة 2011 حول استخدام المياه في العراق فإنَّ نسبة 50% من المياه تـُهدَر في العراق؛ وتعود اسباب هدر المياه الى الاستخدام السيئ للمياه من خلال الابنية والمشاريع المُتعرِّضة للتخريب (السدود, القنوات, شبكات المياه, إرواء الاراضي الزراعية الخ)، إضافة الى تفريغ مياه المجاري مباشرة دون التصريف إلى مياه النهرين، والذي يؤدي الى تخريب نوعية المياه، وعدم صلاحيتها للاستخدام.

العلاقات العراقية- التركية بخصوص المياه مثلها مثل العلاقات السورية-التركيّة تشهد بين آونة وأخرى تقلبات، وتشنجات في الوضع، وفي بعض الاحيان وصلت الى ان تكون مسألة المياه كشرط اساسي في العلاقات بين البلدين خصوصاً في حكم السيد نوري المالكي حيث كانت العلاقات العراقية-التركية متشنجة، وفي توتر متصاعد إذ وصلت الامور الى عدم التوقيع على الاتفاقيات التجارية مع تركيا في حال عدم إنهاء مسألة مشكلة المياه، إضافة الى ذلك عند زيارة السيد احمد داود أوغلو إلى العراق في وقته كان وزير خارجية تركيا وفي خلال لقائه سماحة المرجع الديني اية الله السيد علي السيستاني تطرّق المرجع للسدود والقنوات التي تنشئها تركيا على مياه نهري الدجلة والفرات والتي تؤدي الى حدوث نقص ومشاكل في المياه في العراق مشيراً الى أنَّ المشكلة اذا لم تـُحَلّ فتوصية من المرجع بأن تكون المحاكم الدولية البديل لحل النزاع بهذا الخصوص.

في زمن السيد مالكي ساقت التشنجات والتوترات أزمة المياه إلى أن تكون أداة تـُسوَّق بين البلدين، مع حكم العبادي في سنة 2014 وتصريحات أعضاء البرلمان العراقيين ابتعدت فكرة أن تكون المياه أحد الشروط الاولية في العلاقات, وأنَّ المياه هي إحدى أساسيات الحياة، ولا يُمكِن أن يتشاطر، أو يتساوم عليه الأطراف أين كانت.

بتاريخ 25 كانون الاول 2015 التقى السيد حيدر العبادي مع السيد أحمد داود أوغلو في أنقرة، وتعهدت تركيا بأن تلتزم بالاتفاقيات الخاصة بصرف المستحقات من الحِصَص المائية بالمقابل تعهَّد الجانب العراقيّ بالاستخدام الامثل للمياه، وأن يوافق على الإجراءات الثنائية لحلِّ تسريب المياه، والمشاكل الخاصة بهدر المياه في العراق.

منذ مدة طويلة تسيطر داعش على مياه نهري دجلة والفرات في العراق وسورية، فتعرّضت الزراعة في موسم الصيف في العراق إلى أضرار بالغة نتيجة سيطرة داعش على مياه نهري دجلة والفرات وأدَّت إلى تقليص حجم الانتاج الزراعي، كذلك في مناطق تواجد داعش مروراً بالمناطق التي تعرّضت المياه بعدها إلى التلوث، والتي حالت دون استطاعة الأهالي استخدام هذه المياه؛ ونتيجة هذه الأسباب فإنَّ العراق مُنشغِل حالياً في تأمين مياهه داخل حُدُود الجغرافية العراقيّة.

اتفاقيات، ومعاهدات المياه الخاصة بمياه العُبُور في منطقة الشرق الأوسط بصورة عامّة كانت بين دولتين أو ثلاث دول فقط لا توجد هنالك اتفاقية متكاملة تضمّ جميع الأحواض وكيفية إدارتها مع الدول المتشاطئة. ويعود سبب عدم وجود اتفاقيات مُتكامِلة لعِدّة أمور منها, الحروب، والاضظرابات الأمنيّة في المنطقة, والإدارة السيئة للمياه, وعدم الدراية بالمشاكل الحاصلة في المياه سواء من الجهة المشرفة على إدارة المياه، أم المستخدمين، والسبب الأهمّ هو عدم رغبة الدول في العمل معاً لحلِّ الأزمة الأزلـيّة.

حلّ أزمة المياه يبدأ من بناء الثقة بين الدول المتشاطئة، وتوسيع القدرات, والتعاون, ونقل البيانات, وإعادة استخدام مياه الصرف, وتثقيف الأطراف بخصوص الاستخدام الأرشد للمياه, وتعزيز التعاون الإقليميّ بخصوص الأحواض, وتبادل الخبرات على مُستوى الخبراء من كلتا الدولتين، إضافة إلى هذه الحلول يجب التوقف عنذ مسألة مُهمّة جدّاً، وهي: مسألة التعاون في الحِصَص المائيّة كحقّ الاستخدام، والصرف ضمن الحُدُود، والدراسات الميدانيّة على ضوء البيانات الصادقة من الأطراف, والتي تعتبر هذه الخطوة هي من أهمِّ خطوات الحلِّ الجذريِّ لمسألة أزمة (مُشكِلة) المياه في المنطقة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بحث منشور في مجلة أبحاث استراتيجية العدد (16)، كانون الثاني 2016.