رأي عراقيّ بملفِّ المياه المُشترَكة مع تركيا

د. حسن الجنابي

مجلة الابحاث الاستراتيحية - 2018-06-02


أوَّلاً:

إنَّ الملفَّ المائيَّ مع الجارة تركيا ذو طابع حسّاس على المُستويين الرسميِّ والشعبيِّ إذ تمثل قضيّة المياه المُشترَكة مع الجوار قلقاً وطنيّاً حقيقيّاً منذ السبعينيّات، وقد ظهر بأوسع أشكاله بعد عام 2003 في ظلِّ تفاقم جملة من الأزمات، بما فيها الوضع المائيّ ممثلاً بشحة المياه، أو تلوثها، وانحدار إنتاجيّة الأرض، وانتشار التصحُّر، وكثافة عواصف الغبار، وانكشاف أبعاد جريمة تجفيف الأهوار العراقيّة، وغير ذلك من مظاهر كان الحديث عنها مُحرَّماً قبل عام 2003.

وقد مثلت وقفة البرلمان العراقيِّ السابق عام 2009 بضرورة إدخال الملفِّ المائيِّ في الاتفاق الاستراتيجيِّ مع تركيا مقابل المُصادَقة عليه نقلة نوعيّة بحجم الاهتمام الشعبيِّ والرسميِّ بقضيّة المياه، ومثّل ذلك بشكل ما استجابة للقلق الشعبيِّ حول القضايا الوطنيّة المصيريّة، ومنها: قضيّة المياه؛ لأنَّ "نوايا قطع المياه" التي تتردَّد في الصحف أحياناً مُثيرة للقلق، ومُخيفة؛ لجهة أنَّ قطع المياه عن العراق أمر مُحتمَل، وهنا تبرز أهمّـيّة التناول الهادئ، والعمليّ للقضيّة بعيداً عن الإثارة. فمن الواضح أنَّ الملفَّ المائيَّ يُلقي بظلاله على العلاقة الثنائيّة بين البلدين منذ عقود، وسيبقى الأمر كذلك في المدى المنظور، مهما تطوَّرت، وتشعَّبت العلاقات الاقتصاديّة بين البلدين، بل إنَّ الملفَّ المائيَّ هو حجر الزاوية لأيِّ تعاون قائم على الصداقة، وحُسن الجوار.

 

ثانياً:

مرّت العلاقة المائيّة بين تركيا والعراق بمراحل شائكة كانت بدايتها طيِّبة إذ حصل إثرها اتفاق عام 1946 الذي اعترفت وفقه تركيا بحقوق العراق، وتعهَّدت بالامتناع عن القيام بأعمال مُضِرَّة به عند استغلالها الموارد المائيّة المُشترَكة. وأظنُّ أنَّ الاتفاق المذكور حتّمته مُعطيات أهمُّها التقارب، والاصطفاف السياسيُّ للدولتين آنذاك، والأكثر أهمـِّيّة هو إنَّ تركيا لم تكن لديها الإمكانيّات الماديّة المطلوبة لتنفيذ منشآت كبرى في أعالي النهرين في حينه، ولا طموحات الزعامة التي طفحت في الثمانينيّات، والتسعينيّات، كما أدَّى استعداد قادة البلدين للتفاوض حينئذ دوراً في صياغة الاتفاق المذكور، لكنَّ الأحداث العاصفة التي تلت ذلك، وسعير الحرب الباردة، وما رافقها من استقطابات جديدة لم تسمح للبلدين بالاتفاق النهائيِّ بشأن اقتسام مياه الرافدين، وحصلت شبه قطيعة امتدَّت إلى الثمانينيّات إذ شكَّل البلدان مع سوريا لجنة فنيّة ثلاثيّة لتطوير اتفاقيّة مقبولة للأطراف الثلاثة، ولكنها لم تُنجِز عملها، فجُمِّدت بعد أكثر من عشرة أعوام من العمل بمُعدَّل اجتماع واحد، أو أكثر في العام، كما ساهم تهوُّر النظام العراقيِّ السابق، وهوَسُه بالحروب الداخليّة، والخارجيّة بتراجُع قضيّة المياه المُشترَكة إلى مُؤخَّرة أولويّاته، وظهر عجزه عن التوصُّل إلى اتفاقات تضمن حقوق العراق بمياهه، بل إنه حُوصِرَ إلى حدّ أجبر فيه على عقد اتفاقات أمنيّة، وعسكريّة انتهكت وفقها تركيا سيادة العراق، وأرضه لمئات المرات، علاوة على تفريطه بالسيادة على نصف شط العرب في وقت أسبق.

 

ثالثاً:

استفحلت في التسعينيّات نزعة القوة المائيّة الأكبر لدى تركيا، وبرزت طموحات زعامة، وصدرت تصريحات متغطرسة بشأن مياه الرافدين، بما فيها من قبل رئيس الدولة التركيّ آنذاك التي عدَّ فيها مياه الرافدين مياهاً تركيّة عابرة للحُدُود، وقارَنَ الثروة المائيّة في تركيا بالثروة النفطيّة لدى العرب، وسوّق أفكار بيع المياه إلى دول أخرى، وغير ذلك؛ ممّا أثار سخطاً كبيراً حتى من لدن وكالات ومجاميع دوليّة في وقت كانت تركيا تسعى للانضمام للاتحاد الأوروبي، وقد تزامن تصاعُد الموقف المُتزمِّت لتركيا حول الموارد المائيّة المُشترَكة مع دخول تنفيذ مشروع جنوب شرق الأناضول (غاب) مراحل مُتقدِّمة تكلـَّلت بإنجاز سدّ أتاتورك، وهو رابع أكبر سدٍّ في العالم، وقبله سدَّا كيبان وقره قايا، وملؤه بطريقة استفزازيّة قـُطِعت إثرها مياه الفرات تماماً عن الجَرَيان في مطلع عام 1990، إذ حُوِّل النهر بكامله إلى بحيرة أتاتورك من دون الالتفات إلى الاحتجاجات العراقيّة والسوريّة، وكان ذلك تذكيراً مُخيفاً بقطع مياه الفرات في الفترة 1976-1977 إذ تزامن ملء سدّ كيبان في تركيا مع ملء سدّ الطبقة السوريّ؛ فتعرَّض إثرها الفرات في العراق إلى جفاف شبه كامل، وكانت تلك كارثة لم يألف حُدُوثها سكان وادي الرافدين في السابق.

 

رابعاً:

على مشارف الألفيّة الثالثة، ومع تزايد احتمالات دخول تركيا للاتحاد الأوروبيّ تغيَّر الخطاب التركيّ حول المياه المُشترَكة نحو الأفضل كثيراً، وبلغ أحسنَه في ظلِّ حكومة السيِّد أردوغان، ولكنَّ الخطاب السياسيَّ المرن لم يتحوَّل إلى إجراءات عمليّة تـُساهِم في التوصُّل إلى اتفاق نهائيٍّ حول المياه المُشترَكة. فقد استمرَّ تنفيذ مشروع جنوب شرق الأناضول بوتائر مُتسارعة حتى بعد إدانة المُقارَبة التركيّة بتنفيذه باعتبارها مُقارَبة تتعارض مع أسس التنمية المُستدامة، ومُضِرّة بيئيّاً وثقافيّاً، ولا تـُساهِم بترسيخ السلم، ولم تقـُم تركيا إلا بتقديم مُبادَرة ثلاثيّة المراحل مُصمَّمة لمنفعة طرف واحد فقط هو دولة المنبع، وماانفكَّ المسؤولون الأتراك الحاليّون والسابقون يتمسَّكون بها في مُختلِف المحافل الدوليّة، وكان آخرهم وزير خارجيّة تركيا السابق السيِّد يشار ياكيش الذي عرضها في مائدة مُستديرة عُقِدت في مقرِّ مجلس العموم البريطانيِّ ضمن فعالـيّة السلام الأزرق التي يُشرِف عليها الأمير الحسن بن طلال، ويُساهِم فيها من العراق السيِّد بختيار أمين الشخصيّة العراقيّة المعروفة، والذي قدَّم بنفس الاجتماع رؤية وطنيّة مُشرِّفة لقضيّة الموارد المائيّة المُشترَكة.

 

خامساً:

إنَّ مخاوف العراق من استحواذ دول الجوار على حقوقه المائيّة هي مخاوف مشروعة، وإنَّ السياسة التركيّة المُتمثلة بالإصرار على تنفيذ مشروع جنوب شرق الأناضول بخاصّةٍ تشييد السدود الكبرى، وآخرها إنشاء سدّ أليسو على نهر دجلة بالقرب من الحدود العراقيّة من دون مُعالجة القلق العراقيِّ المُبرَّر حول التأثير المُدمِّر للسدِّ على العراق اجتماعيّاً، واقتصاديّاً، وبيئيّاً يُساهِم في تعميق تلك المخاوف، وقد سبق للعراق، والعديد من المنظمات، والوكالات الدوليّة لفت أنظار الحكومة التركيّة للأمر، واتُخِذت إجراءات سُحِبَ إثرها الغطاء الدوليّ لمشروع سدّ أليسو، وقبله سدّ أتاتورك على الفرات بخاصّةٍ لجهة تمويل المشروع؛ بسبب مخالفته مبادئ القانون الدوليِّ، وتهديده المُحتمَل للاستقرار، وآثاره البيئيّة والثقافيّة بما فيه داخل الحدود التركيّة.

 

سادساً:

من أهمِّ مشاكل العراق المائيّة أنـَّه دولة مصبٍّ، أي: إنه يقع في ذنائب الأنهار؛ لذا فهو يتلقى نتائج أفعال جيرانه في صُدُور، ومنابع الأنهار سلباً وإيجاباً. وواقعاً فإنَّ سلبيات أفعال الجيران على العراق في إدارة المياه تفوق كثيراً إيجابيّاتها، إن كان ثمة إيجابيّات أصلاً، ولكنَّ السلبيّة الكبرى هي العجز المُستمِرُّ عن التوصُّل إلى اتفاق دوليٍّ لإدارة، وتقسيم مياه الأنهار المُشترَكة، وطغيان البُعد السياسيِّ على الموضوع، وتكريس نزعة السيطرة المُبالـَغ بها على جَرَيان الأنهار، والتحكـُّم بتوقيت الإطلاقات المائيّة من السُدُود أضحت المياه بلا إعلان صريح، وأحياناً وسط نفيٍ رسميّ عاملاً للاستخدامات الجيوبوليتكيّة؛ بهدف تحقيق مكاسب سياسيّة، وعسكريّة تـُؤمِّن الزعامة، والتفوُّق بالضدِّ من أمثولة الاستخدام الأمثل، والمُستدام للموارد المائيّة لتحقيق منافع مُشترَكة.

 

سابعاً:

يُمكِن تأمين حقوق دولة المصبِّ بالسعي لتحقيق شبكة مصالح مع دولة المنبع تكون بذاتها دافعاً للعمل من أجل إدارة مُشترَكة للمياه تقوم على مبادئ الانتفاع المُنصِف، والمعقول، وتـُجنـِّب الإضرار بالشركاء؛ حرصاً من دولة المنبع على مصالحها الاستراتيجيّة. وبما أنَّ الدبلوماسيّة، أوالسياسة والعلاقات الدوليّة ليست لعبة بريئة، ولا يتحقق الإنصاف بها تلقائيّاً حتى لو كانت حقوق أحد الأطراف واضحة شرعاً وقانوناً، بل يجب توافر ثلاثة شُرُوط في الأقلِّ، وهي: أن تكون الدولة قويّة، ومُتماسِكة اقتصاديّاً، واجتماعيّاً، ودبلوماسيّاً، وعسكريّاً، ولا يُمكِن هزيمتها، أو ابتزازها بسُهُولة، وبالأخصِّ على مائدة المُفاوَضات كخيار أوحد لحلِّ الخصومات المائيّة، وثانياً: أن يكون موقفها التفاوضيُّ سليماً وقائماً على مُعطيات حقيقيّة وواقعيّة، ويستند إلى القانون الدوليِّ، والمصلحة المُشترَكة التي تـُجسِّدها شبكة المصالح الحيويّة مع دولة المنبع، وثالثاً: كفاءة إدارتها الموارد المائيّة المُتاحة لديها، فلا يستقيم منطق الخصام، والصراع على الحقوق المائيّة، وإن كان بشكله السلميِّ مع الهدر، والإهمال، وسوء التخطيط، والاستخدام المُفرِط، وقلة إنتاجيّة وحدة الأرض، أو وحدة المياه.

 

ثامناً:

إنَّ أهمَّ شرط في نجاح المُفاوَضات المائيّة هو عقدها بين شركاء مُتساوين، وحريصين على التوصُّل إلى إدارة مُستديمة للموارد المائيّة المُشترَكة. وبالمقابل فإنَّ أهمَّ عائق أمام الاتفاق التفاوضيِّ هو شُعُور دولة المنبع بأنَّ موقعها الجغرافيَّ يمنحها سطوة وقوة إضافيتين تـُمكـِّنانها من إخضاع دولة المصبِّ لشُرُوطها. وقد أظهرت غالبيّة الخصومات حول الأنهار الدوليّة هذه النزعة إلا ما ندر، وإن لم تتوافر رغبة في التوصُّل إلى اتفاق نهائيٍّ لدى جميع الأطراف فإنَّ المزيد من التفاوض لا طائل منه. وقد بيَّنت التجارب -للأسف- أنَّ عدم التوصُّل إلى اتفاق يُرضي الطرف الأقوى فإنه، أي: الطرف الأقوى لا يأبه باستمرار المفاوضات إلى ما لا نهاية، إن كان ثمّة مُفاوَضات، أو لإعادة النظر بما اتفق عليه في حال وجود اتفاقيّات دولية سابقة عقدت في ظروف مُختلِفة، أو لا يرغب في الشُرُوع في التفاوض أصلاً قبل أحكام السيطرة شبه التامّة على منابع المياه.

 

تاسعاً:

في حالة نهري دجلة والفرات فإنَّ التفاهم الأوليَّ لعام 1946 بين العراق وتركيا لم يجد مُتسَعاً من الوقت لتنفيذه، كما فشلت اللجان الفنيّة المُشترَكة التي شُكـِّلت لاحقاً للتوصُّل إلى نتائج مقبولة بسبب تعقيدات، وإفرازات الحرب الباردة، ثم جاء العائق الأعظم عندما شرعت تركيا في تنفيذ مشروعها الأكبر (غاب) الذي سعت به من بين أهداف أخرى للسيطرة المطلقة على جريان الرافدين، وخلق واقع جديد على الأرض لا يُمكِن تجاوزه، أو القفز عليه. وبالفعل أصبح بإمكان دولة المنبع التحكـُّم الكامل بجريان نهر الفرات منذ عام 1990، وهي السنة التي اكتمل بها بناء سدّ أتاتورك، وسيكون بإمكانها خلال السنوات المقبلة التحكم شبه المطلق بجريان نهر دجلة بعد الانتهاء من تشييد سدّ أليسو، إلا في حالات الفيضان الكبرى. وقد كان معروفاً لأيِّ مُتابع للملفِّ المائيِّ بين العراق وتركيا وسورية منذ الثمانينيات أنه لم ولن تـُوجَد فرصة للتوصُّل إلى اتفاقيّة نهائيّة لقسمة المياه المُشترَكة إكمال مشروع (غاب) إذ سيكون الوضع التفاوضيُّ لدولة المنبع بعد ذلك مُريحاً جدّاً إذ يتحرَّر المُفاوض من ضغوطات الزمن، وحراجة الموقف، بل من السعي للبحث عن بدائل مُرضية لجميع الأطراف؛ لأنه يتحكـَّم بجريان الأنهار.

 

عاشراً:

إنَّ تركيا دولة جارة يشترك العراق معها بوشائج تاريخيّة، ودينيّة، واقتصاديّة، وطبيعيّة كبيرة، ولا يصحُّ إلا أن يتمنى المرء نجاح خططها التي تعود بالنفع على المنطقة. وبنفس المنطق تتطلب الصداقة الحقيقيّة أن يكون المرء صريحاً، وهنا يُفترَض القول: إنَّ كلفة إنشاء مشروع الغاب على العراق أكبر بكثير من كلفته على تركيا، مع فارق أنَّ تركيا تسعى للانتفاع من المليارات التي أنفقتها بعد اكتمال المشروع كعائدات، وإيرادات ماديّة واجتماعيّة، لكنَّ العراق سيبقى يدفع فاتورته إلى ما لا نهاية بصورة التدني بالإيرادات المائيّة، ونقص في الطاقة الكهرومائيّة من سدّ حديثة، والاختفاء التدريجيّ لبحيرتي الحبانية والرزازة، وتدهور البيئة، ونقص إنتاجيّة الأرض، وانتشار التصحُّر، وانحدار نوعيّة وكميّة الثروة السمكيّة، وانكماش المساحات الخضراء، ومخاطر تقلـُّص وجفاف الأهوار، والهجرة من الأرياف، والقضاء على التنوُّع البيولوجيّ، وتهديد السلم الأهليّ، علاوة على ما يُمكِن اعتباره مساساً بالسيادة الوطنيّة؛ لأنَّ سيادة دولة المنبع على المياه التي تنبع من أراضيها مُكافِئة قانوناً لسيادة دولة المصبِّ على المياه الواردة إلى أراضيها، وغير ذلك. وما لم يتمَّ إحصاء الأضرار، والعمل على تعويضها بصيغة مقبولة يكون الاتفاق حول قسمة أو إدارة المياه المُشترَكة ناقصاً.

 

حادي عشر:

القضيّة الأكثر إثارة، والتي هي بحاجة إلى تحليل عميق وموقف جدّي باعتبار أنَّ بلدنا هو بلد المصبّ، هي إنَّ مياه الرافدين وروافدهما أصبحت تـُصدَّر إلى العراق على شكل بضاعة، ومُنتجات زراعيّة. فالعراق يستورد منتجات زراعيّة كثيرة من دول الجوار التي تسيطر على منابع المياه إلى حدِّ إغراق السوق العراقيّة بها أحياناً، وتفقد معه المنتجات الزراعيّة العراقيّة قدرتها على الصمود في السوق نتيجة ضعف إمكانياتها التنافسيّة؛ ممّا يتسبَّب بالمزيد من الخسائر والإفقار لفئات شعبيّة كبيرة بخاصّةٍ فقراء الفلاحين وسكان الريف. وإذا كانت هذه البضاعة المُستورَدة تُنتَج في مساحات مُستصلـَحة حديثاً في دول الجوار باستخدام مياه الرافدين (التي كانت برُمَّتها مياهاً عراقيّة قبل بناء السدود) فإنَّ الأمر بحاجة إلى وقفة مُراجَعة، وإجراءات حاسمة تضمن حقوق العراق. فالجوار الجغرافيّ يحجز، ويستخدم المياه الطبيعيّة الجارية التي كانت تدخل العراق منذ الأزل بدون عوائق، ثم يُصدِّرها للعراق على شكل مياه افتراضيّة لأنها استخدمت في سقي، وإنتاج المزروعات التي تملأ سوق الغذاء في العراق، وهذا يخلق بالطبع مشكلات اجتماعيّة، واقتصاديّة، وبيئيّة يجب أن تـُؤخَذ بالاعتبار إلى جانب الأضرار المباشرة الأخرى التي مرَّ ذكرها في أيِّ مفاوضات لقسمة مياه الرافدين المُشترَكة.

 

ثاني عشر:

إنَّ من يقلل من مخاطر سيطرة الجوار على موارد الرافدين المائية، أو يُهملها يرتكب خطأً كبيراً في التقدير؛ إذ إنَّ الأمر يتعلق مُباشَرة بالأمن الوطنيِّ العراقيِّ. وينطبق الأمر بنفس الدرجة على الذين يعتقدون أن لا حقوق لتركيا في الرافدين لمُجرَّد أنها لم تستغلَّ مياه الرافدين قبل هذا التاريخ. هناك -أيضاً- أصوات قليلة تـُروِّج أحياناً عن سذاجة، أو جهل إلى فكرة أن يقوم العراق بمُبارَكة، وتمويل سدّ أليسو لكي يكون للعراق دور في تشغيله لاحقاً، وهذه فكرة مرفوضة جملة وتفصيلاً. إنَّ العراق بحاجة إلى موقف تفاوضيٍّ ذكيٍّ، وصارم، وقابل للتحقيق بعيداً عن التلويح بالحرب بقدر ابتعاده عن العواطف، والشعارات، بل بالانخراط الواعي إقليميّاً ودوليّاً وثنائيّاً في عمل دبلوماسيٍّ مُكثـَّف، وبرامج ومشاريع وطنيّة وإقليميّة عابرة للحدود من أجل خلق شروط تـُشجِّع على التفاوض المُباشِر من موقع الشريك القويِّ، وليس الضعيف المُستجدي الذي لا يملك غير الشكوى من دول الجوار في حالتي الفيضان، والجفاف.

 

ثالث عشر:

تشهد الدول المُشترَكة بمياه الرافدين، وما تزال مخاضاً غير مسبوق، دخلت إثره مرحلة جديدة لها استحقاقات مُختلِفة؛ لذا فمن غير المُستبعَد في حال استقرار الوضع قريباً توافقها على ترتيبات طويلة الأمد بشأن قسمة المياه المُشترَكة. فالنتيجة النهائيّة لهذا المخاض ستكون في صالح الشعوب، وأنَّ خيار الاتفاق على استدامة الموارد الطبيعيّة المُشترَكة، وليس الاقتتال من أجلها هو الخيار العقلانيّ الوحيد. فالشعوب تدرك أنَّ الأخطار، والتحدِّيات التي تواجهها المنطقة لا تتوقف عند الحدود الوطنيّة، بل هي عابرة للحدود سواء كانت التحدِّيات طبيعيّة كالتغير المناخيِّ، والتصحُّر، والأوبئة، أم تحدِّيات سياسيّة-أمنيّة تُنتهَك إثرها سيادة البلدان والشعوب من دون تمييز، وسيصبح واضحاً أكثر من أيِّ وقت مضى أنَّ انتهاك حقوق أحد الأطراف لا يصبُّ في مصلحة مجموع الأطراف، وأنَّ إضعاف الشريك ليس في مصلحة الشراكة، وأنَّ استنزاف الموارد المائيّة لدولة المصبِّ لا يصبُّ في مصلحة دولة المنبع، وأنَّ الاستدامة خير من المكاسب القصيرة الأمد، أو المكاسب الانتهازيّة الطابع والمؤقتة التي تـُغري بها ظروف عدم الاستقرار السياسيِّ في المنطقة.

 

رابع عشر:

إنَّ القانون الدوليَّ للمياه ليس دستوراً مكتوباً بفقرات، وتطبيقات مُحدَّدة صالحة لكلِّ زمان ومكان، وليس وصفة جاهزة، أو حلاً سحريّاً، وفوريّاً للخصومات، والنزاعات حول الحصص المائيّة، وإدارة الموارد المائيّة المُشترَكة، بل هو مجموع الاتفاقيّات، والمعاهدات، والإجراءات، والآليّات، والمبادئ المُتفـَق عليها كأساس لتنظيم علاقات الدول المُشترَكة بالموارد المائيّة المُصنـَّفة على أنها مياه دوليّة حول الطرق التي يتمُّ بها استخدام، واستغلال تلك المياه لتحقيق أهداف مُشترَكة، مثل الشراكة في الإدارة، والاستخدامات المُتنوِّعة للمياه، أو منع تلوُّثها، وضمان توزيعها العادل بين الدول، وحماية التنوُّع الإحيائيِّ، وخصوبة التربة، والتكيُّف مع المُعطيات المناخية والهيدرولوجيّة، وتحقيق التنمية والفوائد المُشترَكة، وما شاكل ذلك ممَّا تفرضه الخصائص الفيزيائيّة، والهيدرولوجيّة، والسياسيّة لكلِّ حوض، أو مجرى نهريّ دوليّ.

 

خامس عشر:

هناك قضيّتان مُهمّتان يُفترَض إدراكهما بخصوص القانون الدوليِّ للمياه، علاوة على كونه إطاراً عامّاً، ومجموعة مبادئ مقبولة من المُجتمَع الدوليِّ لحلِّ الخصومات المائيّة، وهما: عدم إلزاميّة القانون الدوليِّ للمياه، بمعنى أنه لا تـُوجَد آليّة دوليّة للسهر على تنفيذه، وتأمين عدم الإخلال بمبادئه من قبل أيِّ دولة عضو في الأمم المتحدة. أمّا الخاصيّة الثانية، وهي فائقة الأهمّـيّة فإنَّ الاتفاقيّات الثنائيّة بين الدول المُتشاطِئة تـُجمِّد، أو تـُلغي مفعول القانون الدوليِّ؛ لأنَّ الأمر بالنهاية يخضع للسيادة الوطنيّة، وحرية الدول الأعضاء في اختيار آليّات حلِّ الخصومات مع دول الجوار التي تشترك معها بالموارد المائيّة، ولا يُمكِن إجبارها على اتخاذ مواقف مُخالِفة، كما أنَّ القانون الدوليَّ لا يُطبَّق تلقائيّاً في حال الإخلال ببعض مبادئه. من جهة أخرى يجب تأكيد أنَّ الاتفاقيّات الثنائيّة ليست نصوصاً واتفاقيّات "مُقدَّسة"، ولا يُمكِن بسببها التهرُّب من الالتزامات التي يفرضها القانون، والاتفاقيّات الدوليّة، أو الإقليميّة حول المياه المُشترَكة بخاصة إذا تسبَّب أحد الأطراف بأضرار تـُهدِّد مجاميع بشريّة، ومناطق واسعة بأخطار كبيرة، وغالباً ما تتضمَّن الاتفاقيّات الثنائيّة آليّات مُراجَعتها حسب الضرورة.

 

سادس عشر:

يرتكز القانون الدوليّ للمياه على أداتين، أولاهما: القانون العُرفيّ (Customary Lawأي: مجموع المبادئ، والقواعد السائدة المُستمَدّة من الخبرة الإنسانيّة المُنبثِقة عن الإجراءات والممارسات المقبولة، والتي استُخدِمت في حالات سابقة من دون أن تكون -بالضرورة- مكتوبة. أمَّا الأداة الثانية: فهي الاتفاقيّات الدوليّة، وهذه تـُصنـَّف حسب مجالات تطبيقها إلى ثلاثة أصناف: أولها: الاتفاقيّات العالميّة (Global Treaties or Conventions) إن كانت شاملة لجميع الدول الأعضاء، وأفضل مثال عليها هو "اتفاقيّة قانون استخدام مجاري الأنهار الدوليّة للأغراض غير الملاحيّة" التي أقرَّتها الجمعيّة العُمُوميّة للأمم المُتحِدة عام 1997، وهي اتفاقيّة في غاية الأهميّة، لكنها لم تدخل بعد حيِّز التنفيذ على الرغم من أنها حازت على أصوات الأغلبيّة الساحقة للدول الأعضاء في الجمعيّة العُمُوميّة، ولكنَّ عدد المُصادَقات على الاتفاقيّة لم يبلغ بعدُ الحدَّ المطلوب لإدخالها حيِّز التنفيذ، علماً أنَّ تركيا صوَّتت ضدَّها في الجمعيّة العامة للأمم المُتحِدة آنذاك إلى جانب دولتين أخريين فقط، فيما صوَّتت غالبيّة الدول الأعضاء لصالحها. ومع ذلك فإنَّ عدم دخول الاتفاقيّة حيِّز التنفيذ لم يمنع من الاستناد إليها في حالات خصومة حُسِمت في أروقة المحكمة الدوليّة. وثانيها الاتفاقيّات ذات الطابع الإقليميّ، وأفضل مثال عليها هو اتفاقيّة هيئة الأمم المتحدة للتعاون الاقتصاديِّ الأوروبيِّ (UNECE) المعنونة بـ "اتفاقية حماية واستخدام مجاري الأنهار والبحيرات الدوليّة لعام 1992" وقد دخلت حيِّز التنفيذ منذ عام 1996، وتجري حالياً عمليّة توسيع نطاقها لتشمل بلداناً أخرى من خارج أوروبا، وقد عبَّر العراق رسميّاً عن رغبته في عضويّتها مُؤخـَّراً. وثالثها الاتفاقيات الثنائيّة لقسمة المياه المُشترَكة، وهي أكثر أهمّـيّة من أيِّ اتفاقيّة دوليّة أخرى إذ إنَّ الدول المُتعاقِدة وفقها تمارس حقوقها السياديّة، ومن غير المعقول أن تبتعد الالتزامات الواردة فيها كثيراً عن مبادئ القانون الدوليِّ؛ لأنَّ ذلك سيكون سبباً في فشلها السريع.

 

سابع عشر:

هناك مرجعيّة عالميّة أخرى مُهمّة جدّاً في ميدان القانون الدوليِّ للمياه، وهي اتفاقيّة هلسنكي لعام 1966. هذه الاتفاقية لم تدخل حيِّز التنفيذ -أيضاً- ولكنها مثـَّلت خطوة كبيرة للأمام في قانون المياه الدوليِّ، وبالأخصِّ ترسيخ المبادئ العامّة لقانون المياه التي تمثل اليوم روح القانون الدوليِّ، وتنسجم تماماً مع مطالب، ومواقف العراق. ويُمكِن إيجازها بالتالي:

  • الاستخدام المُنصِف، والمعقول للموارد المائيّة المُشترَكة.
  • عدم إلحاق أيِّ أذىً ذي شأن بالدول المُتشاطِئة وإن حصل ذلك فليجأ إلى النظر بالتعويضات.
  • واجب التعاون، وتبادل المعلومات بين الدول المُتشاطِئة.
  • حماية، وصون الأنظمة الإيكولوجيّة، والإدارة المُتكامِلة للموارد المائيّة المُشترَكة.
  • تبادُل الآراء، والإخطار المسبق عن المشاريع المُخطَّط لها.
  • تسوية النزاعات حول المياه المُشترَكة بالطرق السلميّة.

 

ثامن عشر:

إنَّ نهري دجلة والفرات نهران دوليّان، وينطبق الأمر كذلك على العديد من الروافد التي تقع منابعها في دول الجوار، وإنَّ القانون الدوليَّ يُشكـِّل إطاراً صالحاً لحلِّ الخلافات بشأنها، وهو ينسجم تماماً مع مصالح العراق كدولة مصبّ، ولكن هل يكفي انسجام مطالب العراق مع مبادئ القانون الدوليِّ كضمانة لحماية حقوقه المائيّة، ومنع حُدُوث خلافات مع دولة، أو دول المنبع؟. الجواب: لا؛ لأنَّ القضيّة شائكة، وبحاجة إلى عمل مُكثـَّف، ومُتواصِل لخلق شُرُوط القسمة المُنصِفة للمياه المُشترَكة. وهل يُتيح عدم وجود اتفاقيّة ثنائيّة طويلة الأمد بين العراق وتركيا المجال لتركيا لفعل ما تشاء في الموارد المائيّة المُشترَكة للرافدين؟ والجواب: لا. فعلى سبيل المثال: كان تأثير المواقف الدبلوماسيّة العراقـيّة كبيراً في قرار الدول الأوروبيّة الداعمة لتمويل سدّ أليسو، وذلك بوضع (153) شرطاً كان على الجانب التركيِّ تنفيذها؛ كي يستمرَّ دعمها الماليُّ للمشروع، وعندما عجزت تركيا عن الاستجابة لتلك الشروط سَحَبَ الأوروبيّون دعمهم، وكان ذلك نجاحاً باهراً يُمكِن البناء عليه كثيراً لفرض شُرُوط أخرى تحفظ حقوق العراق في دجلة.

 

تاسع عشر:

إنَّ ملفَّ المياه مع الجارة الشماليّة تركيا ملفٌّ شائك، ولكنه قابل للحلِّ في مصلحة البلدين الجارين، وإنَّ هذا المقال لا يعدو كونه إضاءات بحاجة إلى تفصيل أكثر يجب أن تتسع له مراكز البحث، والجامعات؛ لأنها المكان الأفضل للتوسُّع بدراسة هذا الملفِّ الحيويّ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بحث نشر في مجلة ابحاث استراتيجية الصادر عن مركز بلادي للدراسات والابحاث الاستراتيجية، العدد (11)، ص 143، كانون الثاني 2016.