تفسير مفهوم الفوضى الدولية ونظريتها من منظار فيزواستراتيجي

علي زياد باحث متخصص في الشؤون الدولية والاستراتيجية

الرأي - 2018-05-22


يعتقد الكثير من المحللين الاستراتيجيين ومنظري حقل السياسة الدولية، بان الفوضى في البيئة الاستراتيجية العالمية تعني في ابسط معانيها هي غياب القوانين ومنضبطات الحراك للتفاعلات الدولية، فهي حسب رأيهم فقدان للرؤى الاستراتيجية ما بين الوحدات الدولية الفاعلة، لذا يشوب البيئة الاستراتيجية اضمحلال القدرة الاستراتيجية على التنبؤ بما هو قادم من تفاعلات ومجريات دولية، كما يدعو البعض من المحللين الاستراتيجيين والاكاديميين بان الفوضى الدولية هي قرينة بالعشوائية التفاعلات بين القوى الدولية الفاعلة والغير فاعلة، بمعنى اخر، هناك من يرادف مفهوم الفوضى والتي هي سمة رئيسة للبيئة الاستراتيجية العالمية، بدلالة العشوائية والتي تعني غياب القوانين الفيزاستراتيجية والتي يدور مضمونها حول الضوابط الفيزيائية (للفعل ورد الفعل)، لذا يدور مضمون العشوائية الدولية حول اضمحلال ضوابط الحراك الدولي والتي تمثل الدالة الحاكمة لنظمية سير السياسية الدولية.

لذا، نستطيع التماس من حقل الفيزاستراتيجية لأجل توضيح الرؤية الاستراتيجية لمفهومي (الفوضى والعشوائية الدولية)، حيث تنطلق النظريات الفيواستراتجية ومن ضمنها (نظرية الفراشة)، حيث تفسر سير تفاعلات البيئة الاستراتيجية العالمية من خلال حجم دالة التأثير الدولية عن طريق قراءة تأثير جزئيات الاحداث والتفاعلات الدولية الصغيرة على مرتكزات العظمى في البيئة العالمية، بمعنى ان حدث صغير في السياسة الدولية يمكن ان ينتج ظاهرة دولية كبرى، مثل وصول (المحافظون الجدد) الى البيت الأبيض وما نجم عن مخرجات هذه الطبقة السياسية من تداعيات دولية تجلت تأثيراتها الى حد هذه اللحظة، وبالتالي جاءت نظريات الفيواستراتيجية لتفسير جزئيات الظاهرة وتراكماتها لأجل قياس الاندفاع وتفاعل والذي غالباً لا يقاس بشكل وحجم الوحدة الدولية.

فالفوضى تقوم على أساس ان الكثير من الظواهر الدولية اذا تم التغيير في شروطها ومقاييسها الابتدائية، بمعنى أخر ان أي تغيير بسيط في مسلمات التفاعلات الدولية داخل البيئة الدولية، فان نتائج هذه الظاهرة وهذه المدخلات تكون مغايرة تماماً، لرؤى التوقعات المطلوبة، ويمكن توضيح هذه المعادلة الفيواستراتيجية من خلال تطبيقاها على الاستراتيجية العسكرية للولايات المتحدة الامريكية، خصوصاً في دالة العائد الاستراتيجي المأمول، فالولايات المتحدة الامريكية زاولت القوة العسكرية في العراق وأفغانستان، لكن العائد الاستراتيجي لكلا المضمارين مغايرة عن الأخر، فاختلاف العائد الاستراتيجي جاء نتيجة اختلاف جزئيات المعادلة الاستراتيجية التي تميز كل بيئة استراتيجية عن الأخرى، فالاستراتيجية العسكرية للولايات المتحدة الامريكية في اطارها الشامل حيال العراق هي نفسها حيال أفغانستان، لكن الذي سبب تغيير في العائد الاستراتيجي هو اختلاف جزئيات البيئة الداخلية لكلا الدولتين فضلا عن اختلاف التوقيت الضئيل لكلا الاستراتيجيتين، فعامل الوقت هو من العوامل التي لها تأثيراتها الاستراتيجية خصوصاً لم يكون هناك أسلوب ثاقب لتوضيب هذا الثابت الاستراتيجي، وبالتالي، الفوضى الدولية تقوم على أساس مكونات الاحداث الدولية فكل حدث له دالته وخصائصه التي تميزه عن الاخر، أي لا وجود لشيء (التاريخ يعيد نفسه) في علم الاستراتيجية، فقوانين الفوضى الدولية تقوم على أساس مديات المدخلات الاستراتيجية لأي حدث دولي مهما كان حجمه ومهما كان مخرجه.

 

فالعشوائية الدولية تعني ان الاحداث التي تسري في البيئة الاستراتيجية العالمية، لا تمتلك أي قوانين وقواعد استراتيجية ضابطة كا ( الفعل، نقيضه)، (التحدي والاستجابة)، (فائض القوة) .....الخ، بمعنى اخر ان العشوائية الدولية لا تمتلك من قواعد التفاعل شيء، لذا هناك العديد من منظري نظرية الفوضى يقرنون دلالات الفوضى ومتقرباتها الاستراتيجية بدالة العشوائية، ومن وجهة نظر الكاتب هذا الفهم يشوبه بعض التخبط المفاهيمي ،لان البيئة الاستراتيجية العالمية، لا تفسر تفاعلاتها بمبدأ العشوائية المتخبطة، وانما ينظر الى تفاعلاتها بالفوضى المنضبطة، والتي يمكن التطرق الى مدلولاتها من خلال تطبيق بعض نظريات الفيزاستراتييجية.

وتقوم نظرية الفوضى على أساس عدة ركائز فيزواستراتيجية، والتي اصل الحدث الدولي، فالأهمية الشديدة لانطلاقة البداية، حيث يمثل التغير الطفيف في أي حدث دولي بداية لاتجاه وحجم متغيرات دولية المتوقعة الحدوث، الحدث لا يتكرر ( التاريخ لا يعيد نفسه)، فتعقيد البيئة الاستراتيجية، وعدم قابلية استعادة مكوناتها، فلا يمكن في البيئة المعقدة أن يتكرر محتوى ما مرتين، فمهما تشابهت الظروف إلا إنه تبقى هناك تغييرات طفيفة في بعض الأحيان، اما المتغيرات العصرية ( السيبرة، الفواعل الجديدة) والتي تعبر عن وجود جواذب غريبة، أو ما يدعى جزر الاستقرار، وفي المعادلات الدولية قد يكون الجاذب ن متغير عصري ثابتة أو مجموعة من المتغيرات أو عددا لا محدودا منها، ويعتقد أن في البيئة الاستراتيجية العالمية او البيئات الاستراتيجية الإقليمية نظام جاذبا للمتغيرات العصرية، وهذه المتغيرات تغيّر شكل الحراك والتفاعل الدولي، بمرور الوقت اعتماداً على نوع القوى، اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية الخ.، التي تتعرض لها البيئة الاستراتيجية، كما يمثل التفرع الاستراتيجي في التفاعلات ، وهو انبثاق تفاعلات دولية جديدة مختلفة لمعادلة البيئة الاستراتيجية غير واضح المعالم، وعادة ما يعتبر التفرع مصدرا جديد لبلورة تفاعلات دولية جديدة تقوم على أساس أدوات جديدة ايضاً.

واخيراً يمكن القول، ان نظرية الفوضى تهدف إلى توضيح حقيقة مفادها ان تفسير التفاعلات الدولية (المعقدة) وغير (المتوقعة) ممكن في البيئة الاستراتيجية عند النظر لبداياتها، وجزئيات احداثها، أي أن أي تغيير بسيط جداً في بداية أي حدث دولي يمكن ان ينتج نتائج غير متوقعة، واحياناً كارثية، عن طريق التسبب في اطلاق سلسلة احداث تزداد اهميتها باستمرارية التفاعل الدولي.