الادارة بالتمدد قراءة في ماورائية الاندفاع الاستراتيجي للقوى العالمية

علي زياد العلي و محمد جاسم الخفاجي

الرأي - 2018-03-24


يمكن القول ان اطوار التلاحم والصراع الدولي، بدأت في مستويات عالية اتخذت من التمدد الاستراتيجي محوراً رئيساً لها، ذلك لان التمدد الاستراتيجي خارج حدود منطقة السيادة والسيطرة الوطنية يتطلب قدرات استراتيجية لا تستطيع أي دولة ان تتحمل متطلباته، وبالتالي فان التمدد هو حالة طبيعية موجودة في صلب التفاعلات الدولية التقليدية والحديثة، لذلك ان إدارة التمدد تقوم على ثلاثة نظريات اندفاعية تفسر وتدفع بهذا الاتجاه، اذ تمثل النظرية الأولى والتي تعرف بنظرية (الاندفاع الاحاطي) والتي تعني بان الدول لاسيما دول المتوسطة والعالية القوة تعمل على الامتداد بكيانها خارج حدوها الوطنية من اجل فرض طوق الإحاطة لمشاكها الداخلية لذا فان الاندفاع خارجياً يعطي صفة الإحاطة من الانخلالات الداخلية، اما النظرية الثانية والتي تعرف بـ ( طفح القوة) والتي تفسد التمدد من منطلق ان القوى الدولية عندما تصل الى سقف عالي من امتلاك القوة الاستراتيجية تتجه الى صرف تلك القوة الفائضة الى الخارج، وبالتالي تستثر الإدارة بالتمدد لتصرف هذه القوة، اما النظرية الثالثة والتي تعرف بـ ( النستلوجية التاريخية) والتي تفسر التمدد من منطلق ان القوى المتراجعة جزئياً تعمل على إدارة تمددها خارجياً من تغذية عقدة التاريخي (الإمبراطورية) وبالتالي فالتمدد هو نتيجة حتمية متأصلة في عمق التفاعلات الدولية داخل البيئة الاستراتيجية العالمية.

اذا الإدارة بالتمدد هي استراتيجية اندفاعية ذات مقاصد دفاعية واندفاعية، تعتمدها القوى الكبرى من اجل هندسة اندفاعاتها الخارجية، وبالتالي فان القوى الطموحة تعمل وفق النظريات الثلاثة لتنظيم وتبرير اندفاعتها الاستراتيجية من خلال موائمة الاندفاع مع الإمكانات داخل البيئة الاستراتيجية العالمية، والتي بدأت عليها غلبة التمدد الانكفائية للقوى المتوجسة مثل الصين.

يرى واضعوا الاستراتيجية الامريكية ان صعود قوة بلدان الاتحاد الاوربي ولاسيما المانيا وفرنسا ومحاولتهم اتخاذ القرارات الاستراتيجية بمعزل عن التوجهات الامريكية، وهو ما يشكل تهديد للمصالح الامريكية في القارة الاوربية، وبالتالي تعمد الولايات المتحدة على خلق بوابات التهديد المفتعل لهذه القوى من اجل اشغالهم بوهم الخطر الروسي من خلال الاتجاه نحو التمدد خارج الاطار السيادي، لذا تسعى الولايات المتحدة الى اقناع القوى الأوروبية بان روسيا مهدد حقيقي لمصالحهم المركزية في القارة، لأسباب جيوستراتيجية تتمحور حول اهمية منطقة شرق اوروبا لاسيما أوكرانيا والتي تمثل الجدار العازل الذي يفصل بين القوى الطامحة عالمياً والتي تمثل ( بوابة التمدد والارتكاز الجيواستراتيجي )، اذ ان نشر الدرع الصاروخي والعقوبات الغربية على روسيا ما هو الا تضيق فجوة الادارة الروسية بالتمدد تجاه بلدان الاتحاد السوفيتي السابق، كما ان تنامي قوة المانيا وفرنسا قد يسلب الهيمنة الامريكية ادواتها في الدائرة الأوروبية فتعمل الاخيرة على اشغال هذه القوى بخطر التمدد الروسي الجديد خصوصاً بعد عام 2014، وهذا ما يسمى بــ (الادارة بالوهم)، اي اوهام الاوربيين بضرورة تحجيم التمدد الروسي الجديد هو ما يشكل مرتكز لنظرية الاحتواء المزدوج الكلاسيكية.

كما ان من الاولويات الاستراتيجية الماورائية لروسيا، هي العمل خارج الاطار، بسبب ان الدول ما عادت تدافع عن مصالحها داخل حدودها بل في اماكن تراها حيوية تحمل عوائد مستقبلية ترفع من قوة ومكانة الجيواستراتجية، فامتلاك القرم افشل كل المخططات الغربية لتحجيم التمدد الروسي بسبب ان روسيا ما عادت تنظر الى أوكرانيا والقرم كعائد جيوبولتكي واحد، بل اصبحت تنظر الى البحر الاسود وبحر ايجة ومضيق الدردنيل والبسفور والبحر المتوسط كعوائد متبعثرة تحتل أولوية تراتبية وفق نظرية الكسندردوغين ، وبالتالي أضحت الادارة بالتمدد، خصوصاً للقوى الدولية الرشيدة استراتيجية ذات الدينامية الدائمة (روسيا _الولايات المتحدة) هي جزء من ترتيبات جيواستراتجية تشكل الدائرة الدينامية لمسلمات التفاعلات الدولية والتي أضحت تعاني من اندفاعات استراتيجية تفتقد الى الرشد الاستراتيجي هو ما قد يشكل عامل نكث لمحاور الاستقرار التوازن العالمي والإقليمي المضطرب.

كما تتمثل الادارة في التمدد لمحور اسيا الباسفيك واقليمها الدينامي والتي تمتاز بالديناميكية الاستراتيجية والتطلعية الدولية لقواها سواء كانت الصين – الهند – اليابان، فالاهمية الجيوبولتيكية للمنطقة النابعة من من كونها الاقليم الاكثر تجاوب في حركة التفاعل الدولي، كما باتت تمثل مكمن التوازنات الاستراتيجية المقبلة، وهي ايضا بوابة الهيمنة ومنطلق الصراع في القرن الواحد والعشرين، وتميز هذا الاقليم العالمي عن غيره بسرعة التباين في القوة بين الفاعلين، واتساع افق القوى الغير تقليدية النووية المتواجدة هناك، فضلاً عن الرشد الاستراتيجي الغالب على القوى الفاعلة، كمان النضوج المالي والاقتصادي ، اذ يمثل الإقليم البديل للريادة المالية المرتقبة، وهو ما يدفع القوى العالمية والإقليمية نحو الخوض في معترك التفاعل القاري الاسيوي، هذه المكانة المضطربة اقتضت من القوى العالمية الريادية ونقصد هنا الولايات المتحدة الامريكية، بان تمارس تأثيرها الجيواستراتيجي من خلال استراتيجية الإدارة بالتمدد بالمنطقة لإعادة النظر في الرؤى والطروحات الموضوعة تجاه التفاعلات الجيواستراتيجية في المنطقة، نتيجة لما ستشكله هذه التفاعلات من تهديدات حول للريادة الامريكية في المستقبل، فأعاده الانتشار الامريكي وتحشيد 60% من القوة العسكرية المجولقة باتجاه هذه المنطقة ما هي الا نظرة لماورائية الاستراتيجية الامريكية لمنطلقات الادارة بالتمدد من خلال الدفاع في العمق الجيواستراتيجية الاسيوي، من خلال خلق التنافرات الاستراتيجية بين القوى المتقاربة، وتكثيف التحالفات الاستراتيجية، وصولاً الى ترتيب البنى الأمنية الشاملة والتي تعتمد على الوجود الأمريكي الاستراتيجي مرتكز لإدارة دفة التوازن الاستراتيجي في شرق اسيا.

واخيراً يمكن القول ان الإدارة بالتمدد هي جزء من ماورائيات استراتيجيات ناجعة اقتضتها الضرورة الجيواستراتيجية العالمية لاسيما بعد الاضطرابات التي عصفت بالبيئة الاستراتيجية العالمية، نتيجة صعود القوى الدولية الطامحة والقوى النستلوجية (المندفعة) والتي باتت تشكل دافع لإدامة التمدد الاستراتيجي، والتي باتت تستدين من التغلغل العسكري الاستراتيجي (دفاع صاروخي _ تفوق جوي _ سيطرة بحرية _ انتشار ارضي) منطلق ارتكازي لإدامة مسامات التأثير، اذا هي إدارة من اجل تعضيد المكانة الإقليمية ومن ثم القفز الى المكانة ما بعد الإقليمية لأجل الترصد لمرتكز الريادة العالمية المرجوة، كما تمثل إدارة لإدامة زخم الهيمنة الاستراتيجية العالمية ونقصد هنا الولايات المتحدة الامريكية، فهي محصلة رؤية شاملة استباقية لمسارات الخناق الجيواستراتيجي الذي بات يغلب على البيئة الاستراتيجية العالمية.