الجيل الخامس من عقائد الامن والدفاع الاوراطلسية :"قراءة منعطفات الردع المعزز لعقيدة تالين"

علي زياد العلي

الرأي - 2018-02-26


تمثل الدائرة الممتدة من الحدود الغربية لروسيا وصولاً الى ضفاف الأطلسي هي بمثابة مجال حيوي جيوسيبراني، ينشط فيه مضامير الاشتباك والتناحر السيبراني بين روسيا من جهة والقوى الاورواطلسية المنضوية تحت منظومة الناتو من جهة أخرى، حيث تدفع روسيا باستخدام وسائل وتكتيكات رائدة في مجال حرب المعلومات والدعائية الافتراضية وهو ما أعطاها قدرة يمكن وصفها بالتفوقية على الجانب الأخرى والذي بدا يغلب عليه عامل عدم الاتزان والارباك السيبراني، خصوصاً في منطقة شمال شرق أوروبا والتي باتت تعاني من ترهل دفاعي (تقليدي، فوق التقليدية) نتيجة تضارب الرؤى بين دول الناتو، فضلاً عن الاندفاع الروسي الجيواستراتجي والذي بداء يتخذ من هذه المنطقة كنقطة انطلاق نحو الخوض والتغلغل في عمق الدفاعات الاورواطسية والمتمثلة بمنظومة الناتو.

وتعرف العقيدة بانها الثابت اعتقادي المتفق عليه من قبل كيان تنظيم قد تصف بالديمومة والحركية في بعض الاحيان، وفي حقل الامن والدفاع الاستراتيجي، تعرف العقيدة بالجامع الاعتقادي المتفق عليها والذي يحصر دائرة التفكير الدفاعي والانطلاق الهجومي في دائرة ايدلوجية ثابتة لا يمكن الخروج عن ثوابت مسلماتها، وانطلاقاً من هنا نجد ان العقائد الاستراتيجية في مجال الامن والدفاع قد شابها مد التطور والارتقاء التنظيري والاعتقادي من خلال قفز على عقائد الدفاع والامن للقرن الوحد والعشري الى الجيل الخامس والذي مثل ميدان الدفاع والاشتباك الافتراضي والمتمحور حول مضمار (السيبرة)، والتي تمثل ميدان وبيئية استراتجية جيدة لمضامير الاشتباك والتصارع الدولي، خصوصاً بعد الجري والسباق التكنلوجيا والذي در سلم التفاعلات الدولية نحو الدائرة الافتراضية (السحابية) من خلال الولوج الى الدفاع في العمق الاستراتيجي للعدو والاستحضار الاشتباك الرقمي بأدوات للينة رقمية مع تهجينها بوسائل عسكرية صلبة.

مثل انطلاق عقدية "تالين" نقطة تحول استراتيجي في صلب التكوينات العقائد للأمن والدفاع الاستراتيجي سوء كان دفاع تقليدي او دفاع ما بعد التقليدي، ومن هنا كانت رؤية عقيدة "تالين" ذات مضمونات نوعية في مجال الردع المعزز والذي يدو معنى حول تبنى عقيدة سيبرانية ذات مدلولات دفاعي وهجومية تتمحور اغلب أدواتها حول الاستخدام الموضب للرقمنة والأدوات اللينة الالكترونية، وتهجينهة بأسلوب احترافي مع أدوات القوة الصلبة ونقصد الأدوات العسكرية الصلدة، من اجل الوصول الى هدف استراتيجي سامي يدور حول تعضيد الدفاع والهجوم الافتراضي السيبراني، ويندرج استخدام القوة العسكرية مع الوسائل الافتراضية لتعزيز مبدا الردع بالتعزيز، فاذا ما استخدمت قوة ما مبدئ الردع الافتراضي ولم ينتج عنه نتاجات مقبولة، تستحضر هذه القوة الردع الافراضي من خلال تعزيزه بوسائل القوة التقليدية الصلبة ونقصد هنا الوسائل العسكرية والتي قد تحسم الصراع لصالح القوة المعززة للردع.

وانطلاقا من هذا الجيل الجديد من العقائد والذي يصنف بانه الجيل الخامس من عقائد الامن والدفاع الاستراتيجي تبنى حلف الشمال الأطلسي الناتو هذا الجيل من العقائد الافتراضي والذي وائمها وعززها بالاندفاع والتعضيد العسكري واطلق عليها عقيدة "تالين" اسم عاصمة جمهورية إستونيا ومركزها الإداري مقاطعة هاريو وأكبر مدن البلاد وهي أقدم عاصمة في شمال أوروبا، مكونة هذه العقيدة من 282 صفحة، والتي تتضمن الرؤى والأساليب والتكتيكات التي يتبنها لموجهة السيبرانية والحرب الالكترونية وتنظيم قواعد الاشتباك عبر الإنترنت، ومائمة هذه المسلمات مع الاندفاع العسكري المحسوب، حيث يؤكد حلف شمال الأطلسي أن الحرب الالكترونية أصبحت سلاحاً حاله كحال السلاح الحربي، وبالتالي اعطى لأولوية الدفاع الافتراضي صيغة محدثة من منطلقات الصد والاندفاع ومن خلال التركيز الردع بالتعزيز والذي يعني مزج الردع السيبراني مع الردع التقليدي لينتج لنا توليفة موضبة من عقيدة جامعة وجامحة في بعض الأحيان بسبب دلالات التوظيف العسكري الصلب مع الاندفاع الافتراضي.

حيث يتعرض حلف شمال الأطلسي لما يقارب 500 هجوم سيبراني شهريا، اذ تحدث المدير العام لوكالة الاتصالات و المعلومات التابعة للناتو (كيفن شييد) في مؤتمر وكالة الدفاع الأوروبية عام 2017 الذي عقد في العاصمة البلجيكية بروكسل حول نشاطات الحلف في مجال الدفاع السيبراني، اذ شبه (كيفن شييد) الهجمات السيبرانية بالتسونامي ، مؤكدا على الأهمية الكبرى لأنظمة الانذار المبكر في مجال الحرب السيبرانية، ويعتبر الناتو الفضاء السيبراني بمثابة فضاء عسكري فضلا عن الجو والبر والبحر، وبالتالي تعطي عقيدة الدفاع الافتراضية المعززة ” تالين” الحق لدول الناتو التي تتعرض لهجوم الكتروني شن حرب هجومية الكترونية مضادة على الدولة الأخرى، مع استخدام القوة العسكرية في حالة تجوز الهجوم الالكتروني حدود الامن القومي الاستراتيجي.

وبالتالي ضربت عقيدة "تالين" مسلمات وثوابت الامن القومي للدول خصوصاً تلك الثوابت التي كانت غاطسة في مستنقع الردود التنظيري العملياتي، وبالتالي اطعت هذه العقيدة اندفاع للبعض الدولي كحالة انفرادية وكتجمع دفاع كحلف الشمال الأطلسي بان يشن عمليات عسكرية تسبق او تحلق العمليات الافتراضي وبالتالي تداخل مفهوم الامن القومي للدول ذات المداولات الضيقة مع الامن الدولي والذي تأثر هو الاخر بمداولات هذه العقيدة والتي اغفل معظم المحللين الاستراتيجيين، التطرق لها وتحليل مضامينها المعقدة والتي قد تشكل بداية لعقائد جديدة تتبناها الدول والتي قد تسبب ارباك في دائرة التفاعلات الدولية خصوصا مضامير التفاعلات السيبراني للقوى الكبرى والتي ستدخل التفاعلات العسكرية الصلبة لتعزيز دائرة الردع المضطرب.