جدلية التعالي بين نظريتي العمق الاستراتيجي والعمق الاستراتيجي التبادلي "رؤية في عنجهية التنظير وغطرس

علي زياد العلي/ باحث متخصص في الشؤون الدولية والاستراتيجية

الرأي - 2018-02-20


نظر وتحدث الكثير من الاستراتيجيين حول نظرية العمق الاستراتيجي التقليدية (أحادية التأثير)، انطلاقاً من الأهمية الجيواستراتجية لكل وحدة دولية حيال مجالها الإقليمي، حيث يمثل البعد والمنظور الإقليمي لدالة التوجيه الخارجي الركيزة الاستراتيجية الذي يتكل عليها منظور نظرية العمق الاستراتيجي أحادية التأثير على اختلاف أدوات واشكاله، فالعمق بأبعاده الجغرافية والثقافية والسياسية والاقتصادية والأمني هو عبارة عن قدرة الدولة على مد تأثيرها الجيواستراتيجي خارج حدودها السيادية، كما ان البعد التأثيري احادي الجانب هو من اللوازم الوجودية لتحقيق العمق الاستراتيجي التقليدي، ورغم تخمة الدراسات والأبحاث الاستراتيجية حول نظرية العمق الاستراتيجي، خصوصاً الدراسات التي خصت حقل الجيواستراتيجية لم تظفر هذه الجهود الى الولوج نحو نظرية العمق المتبادل، او ما يطلق عليه نظرية العمق الاستراتيجي التبادلي والتي تعني في جوهرها صيغة الفعل ورد الفعل الاستراتيجي، بل بالأحرى غالباً ما توصف برد الفعل المتبادل، فمعظم النظروا المحيط الجيواستراتيجي تحدثوا ونظروا بعنجهية وتكبرا عن نظرية العمق الاستراتيجي احادي التأثير خصوصاً في مجال تأثير الدول التي ينتمون اليها، ووصفه بدالة الفعل فقط (التأثير احادي الجانب الابدي والمحتوم)، والذي يعطي صيغة من الهيمنة والتأثير على المحيط الجيواستراتجي في الدائرة الحولية لدولة العمق العكسية (المسيطرة جيواستراتيجياً)، لكن هذه النظرية دحضت وكسرت دلاتها الثبوتية انطلاقاً من نظرية رد الفعل التأثيري نظرية العمق الاستراتيجي التبادلي والتي تعني حتمية وجود تبادلية التأثير بين الدول المتفاعلة جيواستراجياً.

بالتأكيد دول رد الفعل الاستراتيجي او ما يطلق عليها منظروا حقل الجيواستراتجية دولة العمق والتي يقترن مفهومها بدولة المتأثرة من فعل الدولة المؤثرة، فدولة رد الفعل الجيواستراتيجي لها تأثير عكسي، جيواستراتجياً انطلاقاً من المشتركات الجيوسياسية والجيو اقتصادية والجيوثقافية، حيث تتمثل هذه المشتركات دوال لدول العمق بأن تمارس تأثيرها العكسي وهذا التأثير يسمى الفيزيزسياسي، وحسب نظرية الفعل ورد الفعل، فالعامل المحرك والموازن لعجلة تأثير دولة العمق ودول رد الفعل هو نتاج مخرجات التفاعل الفيزيوسياسي للمتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالإضافة عوامل أخرى تتحكم في دائرة التفاعل بين الدولتين، اذا، نظرية العمق التبادلي تتضح معالمها من التبادلية وتاريخها الديناميكي في دائرة تفاعلات السياسة الدولية، فلا يوجد دولة تواكب التأثير الأحادي بانفرادية وهيمنة، حتى الولايات المتحدة الامريكية ورغم ما تمتلك من سطوة تأثير في البيئة الاستراتيجية الدولية، الا انها تتأثر من دائرة تفاعل نظرية العمق الاستراتيجي التبادلي، حيث تتأثر من محيطها الإقليمي، خصوصاً التأثيرات الجيواستراتجيىة الجنوبية والتي تشكل عمق تأثيري بات يوثر على صلب الامن القومي وعلى المصالح العليا للولايات المتحدة الأمريكية.

وبالتالي، فان دالة القوة الاستراتيجية والتفوق التعبوي المؤقت، لا يعني ارجحية تفوق وغلبة العمق الاستراتيجي الأحادي، في دائرة تفاعلات السياسة الدولية، وهنا اخفق واغفل العديد من منظروا العمق الاستراتيجي الأحادي، نتاجات نظرية افول وصعود، فصعود وافول القوى الكبرى والوسطى والاعتيادية يمثل ركيزة استراتيجية داعمة لنظرية العمق الاستراتيجي التبادلي، والتي تعني انهيار دول وتأثرها التبادلي مع العمق الجيواستراتيجي الخاص بها، فضلاً عن تأثرها في البيئة الاستراتيجية العالمية وهو بالنهاية تأثير متبادل، فلا تسطيع دولة ان تضبط دارة التأثير بمنطلق احادي مهيمن، فرغم القوة والسطوة الأمريكية، وتاثيرها العسكري الصلب والذي يأخذ هذه الاشكال(الآيروكراتيا_ التالاسوكراتيا _ التيلوروكراتيا)، الا انها لم تسطيع ان تمارس ادامة التأثير في العمق الاستراتيجي، للبيئة الدولية حيث تأثرت بشكل كبير من مخرجات البيئة الجيواستراتيجية العالمية، خصوصاً في دائرة الامن القومي الأمريكي الداخلي والذي بدا يتأثر بحيثيات البيئة الجيواستراتجية الدولية.

كما ان حد اهم البيئات التي تحتضن نظرية العمق الاستراتيجي التبادلي هي البيئة التوازنية، والتي تحدث نتيجة قيام توازن استراتيجي جامع ( ثنائي_متعدد) بين الوحدات الدولية، فمحدد البيئة هو عامل استراتيجي مؤثر في نظرية العمق الاستراتيجي التبادلي، خصوصاً اذا كانت البيئة الاستراتيجية تعاني من حالة من شبه التوازن التام، والذي لا يعني قيام احدى الدول بصرف هيمنتها على الدول الأخرى، وهو ما يعني وجود دائرة تأثير جيواستراتيجي تبادلي، والذي ينتج مخرجات متوازنة لكى الطرفيين، فالتوازن هو عامل مهم لنظرية العمق التبادلي، لكن في بعض الأحيان الا تشترط نظرية العمق الاستراتيجي التبادلي قيام التوازن، لكنه وجوده هو احدى دعائم ولادات نظرية العمق الاستراتجي التبادلي، بمعنى كل ما كان هناك حالة من عدم غلبة دولة على دولة أخرى في دائرة المحيط الجيواستراتيجي كان هناك عمق استراتيجي تبادلي لعمق الدول المتوازنة، أي وجود عمق تأثيري متبادل.

ان من ظواهر نظرية العمق الاستراتيجي التبادلي، هو وجود حالة من الاعتمادية المتبادلة، وهي نظرية الترابط والتفاعل الاقتصادي والاجتماعي والأمني، فوجود الاعتماد المتبادل بين الدول في الدائرة الإقليمية والعالمية تعني وجود تأثير متبادل ومصالح متبادلة ذات دلالات اجتماعية وسياسية واقتصادية نابع من نظرية العمق التبادلي، وانطلاقاً من الحالة الترابط ووالانسجام التي باتت تسود البيئة الاستراتيجية الدولية، نجد ان العمق الاستراتيجية التبادلي هو موجود ومترصن في عمق البيئة الاستراتيجية الدولية، نظراً لترابط المصالح بين الدول في دائرة التفاعلات العالمية الانية.

واخيراً يمكن القول ان نظرية العمق الاستراتيجي الأحادي التقليدية، هي نظرية ذات دلات استراتيجية ضيقة، ولا تعبر عن الرؤية المستفيضة لحوليات متغير العلاقة بين الوحدات الدولية، خصوصاً في عالم اليوم الذي يشوبه الكثير من الحراك الجيودينامئي، خصوصا بعد ثورة الاعتمادية المتبادلة والاتزان الجيواستراتيجي، فضلاً عن نسبية القوة الاستراتيجية والتي باتت تتمثل بانتشار القوى الافقي، والذي مثل طغيان وتفشي حالة التأثير والتأثر في داخل البيئة الدولية المترابطة والمتنافرة جزئياً، فرغم ان هناك قوى عالمية واقليمية تمارس تأثيرها انطلاقاً من العمق الاستراتيجي التقليدي، الا ان هناك تأثير متبادل لهذه القوى حيث تتأثر في دائرتها الاقليمية الجيواستراتيجية بالإضافة الى دائرة البيئة الاستراتيجية العالمية، فنسبية الامن والذي مثل هو الاخر مؤشر على حدة تأثير العمق الاستراتيجي التبادلي، حيث اتضح معالمه مع الالفية الجديدة خصوصاً بعد ثورة الترابط الاجتماعي.