مكانة العراق في عمق استراتيجية ممر النمو الاسيوي الافريقي اليابانية

علي زياد العلي

الرأي - 2018-02-10


لطالما كانت اليابان الدولة الشرقية الملهمة للدول الصاعدة خصوص دول العالم الثالث، نظراً لما حققته من ارتقاء استراتيجي في فترة ضيقة، لا سيما بعد مأساة خروجها من الحرب العالمية الثانية، فالمعجزة اليابانية هي ليست ابداع ياباني فقط ولنا كانت صناعة غربية أمريكية، خصوصاً ان منطقة شرق اسيا كانت تعاني من تهديد نتيجة امتداد المد الشيوعي لها وبالتالي اقتضت الضرورة الغربية انشاء دول ليبرالية على الطراز الغربية فجاء الدعم الأمريكي لليابان وكوريا الجنوبية لتكون دول ارتكاز استراتيجي لها.

ان المتابع للسياسة الخارجية اليابانية في العراق نجد انها ترتكز على أساس اجتذاب التأثير من خلال وسائل القوة اللينة اليابانية والمتمثلة بالسمعة اليابانية والتي تأتي من جدودة صناعتها وعرقت ثقافتها ونجاع سياساتها، حيث تتضح ملامح هذه السياسة جلياً من خلال توجهات سفيرها في العراق (فوميو إيواي) والذي بدا بتسويق الاستراتيجية اليابانية في العراق من خلال توظيف أدوات الدبلوماسية الشعبية المرنة والتي تعتمد على الوسط القاعدي الافقي، من خلال ترسيخ التأثير الياباني في القاعدة الشعبية في الدائرة الاجتماعية العراقية، اذ ان لليابان دور في تمويل والمنح والقروض والتي خصت منها على قطاع البنى التحتية العراقية اذ يقدر ما قدمته اليابان للعراق حوالي 7 مليار دولار تنوعت على قروض ميسرة ومنح ومساعدات إنسانية، ومن هنا تكمن ملامح احدى اهم ركائز استراتيجية ممر النمو اليابانية من خلال التركيز على قطاع البنى التحتية الاستراتيجي.

تتجه اليابان نحو الاعتماد على نهج جديد في سياساتها الخارجية، خصوصاً انها باتت تتجه نحو تغيير استراتيجيتها الخارجية، وذلك لتواكب التحديات التي عصفت بالبيئة الإقليمية والعالمية المحيطة بها، فاليابان دولة استثنائية لها قوة تأثيرية كبيرة على بلدان الشرق الأوسط، جاء هذا الانجذاب نحو المنطقة، نتيجة المتغيرات التي اصابت البيئة الاستراتيجية لهيكلية النظام الدولي والذي اضحى متشظي التركيب حصيلة صعود بعض القوى المنافسة، وتخلخل بعض القوى الدولية المتنفذة، التي كانت رائدة في إدارة ملفات السياسة الدولية، ونقصد هنا الولايات المتحدة، وبالتالي جاء بزوغ دور اليابان في إدارة الملفات التي كانت تثقل كاهل الولايات المتحدة الامريكية خصوصاً في منطقة وبالتحديد العراق والدائرة الإقليمية المحيطة به.

ويأتي الاهتمام الياباني في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، وبالعراق بشكل خاص، نتيجة عدة متغيرات استراتيجية، والتي عصفت هي الأخرى بثوابت الحركية للسياسة الخارجية اليابانية وتوجهاتها الاستراتيجية، حيث ادركت اليابان متأخرة، أهمية الشرق الأوسط كون هذه المنطقة تمثل محط اهتمام القوى الكبرى المنافسة لها في المرتبة الأولى، والتي في مقدمتها الصين، بالإضافة الأهمية الجيوطاقوية التي تحتلها المنطقة كونها تمثل مخزون هائل للنفط والغاز، وبالتالي تطمح اليابان ان تكثف انغماسها في المنطقة من خلال توثيق علاقاتها مع الدول المحورية الإقليمية وفي مقدمتها العراق والذي يمثل موقع جيواستراتيجي وطاقوي لليابان المتعطشة للطاقة، فاليابان تطمح من وراء تكثيف حضورها في العراق الى معادلة الدور الصيني الصاعد في منطقة الخليج، وصد امتداد استراتيجية (حزام واحد الصينية) بسلسلة من التحالفات الحجزة، وهنا لا نقصد التحالفات التقليدية كحلف الشمال الأطلسي الناتو ذات المضمون الصلد (العسكري)، ونما نقصد الجيل الجديد من التحالفات للينة والتي تخذ من طابع العلاقات فوق الاستراتيجية، وتالياً اختارت اليابان العراق كدولة ذو عمق استراتيجي تطمح بان يكون قاعدة لانطلاق اليابان استراتيجياً في المنطقة، ويأتي الاهتمام الياباني لتكثيف حضورها في العراق لعدة اعتبارات استراتيجية اهما:

1_ موقع العراق كحاجز استراتيجي لاستراتيجية (طرق واحد الصينية):

تعمل اليابان على تكثيف حضورها الاستراتيجية في العراق من اجل صد مد استراتيجية (حزام واحد) الصينية الطامحة الى توسيع رقعة تأثيرها الاستراتيجي نحو الغرب، وبالتالي اختارت اليابان العراق ليكون حجر زاوية تتخذ اليابان منه منطلق لعرقة استراتيجية (حزام واحد) ولتحجم النفوذ الصيني الصاعد في المنطقة، من خلال إيجاد حلفاء استراتيجيين يتمتعون بمكانة جيواستراتجية توهلها بان يقوموا بدور اللعب الموازي والمؤثر على مسارات الاستراتيجية الصينية في المنطقة.

2_ العراق واستراتيجية ممر النمو الاسيوي الافريقي:

انطلقت اليابان وحليفتها الهند بمشروع يوازي مشروع الصين (طريق واحد) حيث عمدت على تكثيف حضورها غرباً خصوصاً المنطقة الممتدة من الحدود الغربية للهند وصولاً الى قلب القارة الافريقية وبالتالي، اختارت اليابان العراق كمنطلق استراتيجي لتثيبت حضورها استراتيجيا (مستقبلياً) خصوصاً انها تعمل على تثبيت اركان استراتيجيتها من خلال الانغماس في مشاريع البنى التحتية وهو ماتفعله نقيضتها الصين في دول اسيا الوسطى وصولاً الى الحدود الشرقية لإيران، وبالتالي مثل العراق القطب الموازي في استراتيجية ممر النمو، اذ ان اليابان باتت تمهد لهذه الاستراتيجية بأسلوب وتكتيكات لينة، لأنها تمثل الاستراتيجية الانجع والأكثر تأثير في البيئة الاستراتيجية الداخلية والخارجية للعراق.

3_ العراق والمكانة الطاقوية في الاستراتيجية اليابانية:

ان اليابان دولة محجمة الإمكانيات والموارد الأولية، خصوصاً انها تعتمد اعتماد كلي على استيراد هذه الموارد من خارج حدودها، حيث تعتمد على استيراد 90% من الطاقة النفطية من منطقة الخليج، وبالتالي يمثل امن الطاقة اليابانية العتلة المحركة لدينامية اقتصادها، حيث تطمح الى تأمين امن امدادات الطاقة من المنطقة والعمل على تحجيم السيطرة الصينية على هذه المنبع خصوصاً ان الصين في الآونة الأخيرة بدأت تكثف حضورها الطاقوي في الخليج والعراق، لذا تسعى اليابان الى تثبيت حضورها استراتيجيا من خلال توسيع رقعة وجودها في المنطقة وفي العراق بالخصوص، كما تسعى الى مزاحمة الصين جيوطاقوياً من خلال تكثيف شبكة علاقاتها الاستراتيجية مع دول المنتجة للطاقة كالعراق وبعض الدول الخليج.

4_ تأصيل الوجود الاستراتيجي الأمريكي في المنطقة:

بعد التوجه الأمريكي نحو منطقة شرق اسيا وما نجم عن ذلك من انخلال في بنية توازن القوى الاستراتيجي في المنطقة، اندفعت اليابان من اجل ترميم ما يمكن ترميمه من توازن استراتيجي، انطلاقاً من استراتيجية القيادة بالمشاركة والتي أعطت اليابان بعض الحظوظ من اجل أداء دور المعضد للاستراتيجية الأمريكية والتي باتت تعاني من بعض التراجعات الاستراتيجية والتي خلفت صعود بعض القوى العالمية والإقليمية المنافسة للولايات المتحدة واليابان، وفي مقدمة هذه القوى الصاعدة الصين والتي باتت تغوص اذرعها الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة، ومن هنا يأتي الاهتمام الياباني في المنطقة والعراق تحديداً لا اجل ادمة التوازن الاستراتيجية لصالح اليابان وحلفائها الغربيين.

5_ إدارة معادلة التوازن الاستراتيجي من بعد:

بعد صعود الصين كقوى باسفيكية اقتصادياً وعسكرياً، اقتضت الحاجة الاستراتيجية لليابان بان توسع حضورها الاستراتيجي خارج الدائرة الباسفيكية من اجل احتواء التوازن الاستراتيجي بطريقة التوسع من الخارج وهو ما تفعله الصين واليابان في أن واحد، حيث تتزاحم هذه القوى نحو أدامة حضورها الاستراتيجي في الأقاليم الجيواستراتجية كاسيا الوسطى والشرق الأوسط، وبالتالي تعتمد اليابان على إدارة التوازن الدولي الموسع والذي يمتد تأثيره بأكثر من بعد إقليمي، فاليابان عولت على هذه الاستراتيجية بسبب الضيق الجيواستراتجي في منطقة اسيا الباسفيك سبب تعدد القوى وتنافرها، وبالتالي اتجهت نحو منطقة الشرق الأوسط والخليج من اجل ترسيخ التوازن الدولي بتثبيت وجودها ليمتد تأثيره على ابعد من بعد إقليمي وليصل ارتداداته الى منطقة شرق اسيا وابعدها الاقليمية.

واخيراً يمكن القول ان اليابان تسلك عقيدة (التغلغل بالظل) من اجل تثبيت اركان استراتيجية ممر النمو الاسيوي الافريقي والتي تمثل مشروع استراتيجي كبير يتطلب الكثير من الجهد لإنجاز جزئيات هذه الاستراتيجية، والتي باتت تعاني من مواجهة بعض القوى المنافسة (الصين وحلفائها)، ولتثبيت أسس وأركان هذه الاستراتيجية، ادارك اليابان ان لابد لها الاعتماد على قوى عامودية إقليمية، ونقصد هنا العراق، حيث بدأت بتسويق استراتيجيتها من خلال تكثيف حضورها اللينة والجاذب في المجتمع العراق، فضلاً استثماراتها في البنى التحتية العراقية والتي تعتبرها الركيزة الثانية في استراتيجيتها المحورية في المنطقة.