العقيدة الجيوسيبرانية الروسية

علي زياد باحث متخصص في الشؤون الدولية والاستراتيجية

الرأي - 2018-02-07


العقيدة الجيوسيبرانية الروسية  قراءة في "منعطفات الصراع والاشتباك الرقمي"

يمكن القول ان روسيا رغم فضائها الجيوسياسي الشاسع، الا انها تعاني من متلازمة الحرج جيواستراتجي، فالقيادة الروسي واقعة في ما يطلق عليها النستلوجية القيصرية الرامية الى إعادة التاريخ باستحضار الامتداد الاستراتيجي نحو الغرب، ونتيجة تغلغل واندفاع منظومة حلف الشمال الأطلسي الناتو، باتت تعاني من انخلال تلاصقي لإدامة زخم التأثير الاستراتيجي على الفضاء الجيواستراتجية التقليدي الاوراطلسي والممتد من الحدود الشرقية للقارة الأوروبية وصولاً الى الضفة الشرقية للمحيط الأطلسي، اذاً ادرك منظرو الفكر الاستراتيجي الروسي بان وسائل التأثير والاستدامة الاستراتيجية الروسية باتت تعاني من خلال نظمي والمتمثل بـ( تأثير وذرف بالقوة التقليدية داخل دائرة التفاعل المتبادل والمتمثل بالفضاء الجيواوراطلسي مقابل ضعف في المخرجات الارتدادية الروسية النفعية ) وانطلاقاً من هذه المعادلة (الارتداد النفعي)، أضحت الاستراتيجية الروسية في حالة من انخلال توجيهي، نتيجة ضعف وسائل التأثير العرفية والتي باتت لا تواكب سقف الطموحات الروسية الصاعدة في البيئة الاستراتيجية العالمية.

حيث تنطلق عقيد الجيوسيبرانية الروسية من تتبنى موقف اندفاع أكثر اندفاع على أساس ان لها الرغبة في استهداف أنظمة البنية التحتية الرقمية من خلال مواكبة التأثير السيبراني وعمليات التغلغل الافتراضية في الفضاء الحيوي الاورواطلسي، اذ تهدف العقيدة الروسية على اختراق مصالح دول حلف الشمال الأطلسي والذي يمثل بوابة من بوابات المد والصد للمنظومة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الامريكية حيال الفضاء الجيواستراتجي الروسي، ووفق نظرية (الكسندر كوهين) مهندس الاستراتيجية الروسية الانية الرامية الى توسيع فضاء التاثير الورسي ليشمل محيط دائرة (ماكندر) وصولاً الى ضفاف الاطلسي، ان ارتبط تصاعد الصراع بين روسيا ودول الاورواطلسية خلال السنوات الماضية جاء باستحداث جيل جديد من الحروب والاشتباك الرقمي، كأحد المداخل الاتمتة الاستراتيجية لصياغة التأثير في مسارات الصراعات الدولية المتبعثرة، ففي خضم التنافس على قيادة النظام الدولي تشكل توجه استراتيجي مغاير لدى روسيا له امتداداته التاريخية في الحقبة السوفيتية، هذا التوجه مفاده ان الاندفاع في الصراع مع المنظومة الاوااطلسية لن يتحقق بالاعتماد على وسائل الصراع التقليدية المحجمة انياً، ولكن الامر يتطلب أدوات الحرب الحديثية وغيرها من الأدوات، وهو ما يطلق عليه رئيس هيئة الأركان العامة الروسية (فاليري جيراسيموف) نهجاً مختلفا لتحقيق الأهداف السياسية والعسكرية الروسية من خلال الطرق غير المباشرة وغير المتماثلة.

هكذا تبلورت العقيد الجيوسيبرانية لروسية من وثيقة وزارة الدفاع الروسية المعنونة بـ ( مفهوم الأنشطة الفضائية المعلوماتية للقوات المسلحة الروسية) لتبين ماهية الفضاء الهام الذي تمثله اتمتة الصراع الافتراض في الاطار الاستراتيجي الروسي، حيث تبنت الوثيقة تعريف مجال الاتمتة بأنه فضاء النشاط المتصل بتشكيل المعلومات ونقلها واستخدامها، وهو ما يطلق عليه بعقيدة (جيراسيموف)، هذه العقيدة تنطوي على اطار عام للاستراتيجية الروسية السيبرانية والتي تتمحور حول تبني تكتيكات وادوات غير التقليدية في الحروب الراهنة، والتي تتضمن أدوات مختلفة من بينها اتمتة الصراع والاشتباك الخارجي، سواء من خلال الفضاء الإعلامي السيبراني او الفضاء الالكتروني، من اجل استهداف نقاط الضعف للخصوم وتجنب الصراع التقليدي حتى المراحل النهائية للاشتباك والتناحر الاستراتيجية.

ان هذه العقيد تعتبر ان تزايد استحضارها في الاستراتيجية الروسية، هو ناجم عن سعي روسيا الحثيث لاستعادة ارثها التقليدي كقوة مؤثرة في النظام الدولي، وما يستلزمه ذلك من توظيف أدوات الحرب السيبرانية، اذ اعتمدت روسيا على عقيدة الاندفاع والاشتباك الرقمي ذات المضمونات السيبرانية، لأجل ادامة البعد العسكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي كأسس للإنطاق الجيوسيبرانية المستحدثة في استراتيجيتها الشاملة حيال الفضاء الاورواطلسي، ان مضامير الاشتباك السيبرانية المستحدثة تستهدف خلق بنية لينة تجاه المصالح والرؤية الروسية في الفضاء الاوراطلسي، ولا يتوقف إيجاد مثل هذه البنية على ادرج الدعاية السيبرانية التضليلية في فضاء محل التأثير، ولكنه يمكن يجري عبر وسائل النتيجة الافتراضية (السيبرة) لأحداث تأثير في فضاء الاستقبال والمتمثل بالبيئة الاجتماعية والسياسية فضلا عن دائرة الصد العسكري والمتمثلة وسائل الردع الرقمية ومنظومة الدفاع الالكترونية الهجينة، ومن ثم تحييد هذه القوى من خلال كسر البنية الاستجابة لها، على الصعيد الافتراضي والغير الافتراضي، وبالتالي تخفيف شدة المواجهة لاستراتيجية روسيا الاندفاعية في الفضاء الاوراطلسي.

واخيراً يمكن القول، ان مجال صيغة البنية التشكيلة لفضاءات المناوشات الروسية الاوراطلسية باتت تتخذ من وسائل الاشتباك والتناحر الرقمي منحنى لها، والتي باتت تلقي في ظلالها على مجريات التفاعل والتداخل في البيئة الاستراتيجية الدولية المنفلتة، خصوصاً المنطقة الممتدة من حدود أوروبا الشرقية الى ضفاف الولايات المتحدة الأطلسية، تتخذ من الاشتباك والتناحر محور استراتيجي لإدارة التفاعل مع المنظومة الاوراطلسية من خلال تبني الداعية السيبرانية محوراً لها في بعض الأحيان كما اتخذت من سرقت المعلومات وتضليل العدو تكتيك والقفز بالمنظومات الحرب الإلكترونية العسكرية الى الجيل جديد، فضلاً عن التأثير الالكتروني على مجريات الواقع السياسي الداخلي لبعض الدول مثل التدخل الروسي في الانتخابات الأوكرانية والالمانية وصولاً الى التدخل الروسي في الانتخابات الامريكية والتي تمثل ضربة قاضية لمنظومة الامن والسيطرة السيبرانية الأطلسية، وبالتالي رسمت هذه التدخلات ومنحنيات الحروب الإلكترونية حقبة جديدة من منعطفات الصراع والاشتباك الرقمي في الفضاء الجيواورطلسي، ليظهر لنا صورة جديدة من صور التفاعلات الدولية الرائدة في مجال امن وتوظيف الاتمتة الاستراتيجية بين القوى العالمية المتنفذة.