نحو نظام إقليمي جديد

د. ياسر عبد الحسين/ مدير مركز بلادي

الرأي - 2017-11-23


(السلام يقوم على الحرب تماما كالصداقة القائمة على المساواة )كما يقول ميكافيلي ، تمثل المراحل الحاسمة في تاريخ العالم هي تلك المدة التي تتعلق بسنوات ما بعد الحرب ؟ ، ولطالما كانت الدبلوماسية المتعددة الأطراف على طاولة اللاعبين الكبار هي الاستراتيجيات التي تحدد معالم الشكل الهندسي لترتيبات توازنات القوى في البيئة الخارجية .

وبغض النظر عن كون تلك الأتفاقات والخطوط العريضة لتفاهمات القوى الكبرى هي توزيع ( الرابح – الخاسر ) لكن هي بشكل او اخر، تمثل عملية توزيع الأنماط الجديدة لتوازن القوى مهما كانت فلسفة تلك الحرب صفرية ، في ظل نظام الفوضى ( الأناركي) ، هناك حرب مستعرة بين مشاريع متعددة ، اتجاه كبير منها يبحث عن مزيد من انماط اللاعبين من غير الدول ومزيد من دول متفتتة وكيانات ضعيفة ، واتجاه يرى ضرورة عودة الدولة الوستفالية على الرغم من شيخوختها ، لان الأتجاه الاخير يعني بالضرورة الحفاظ على نظام توازن القوى الاقليمي والعالمي ، حيث لا بديل عن فقدان السلطوية في هذا النظام سوى المزيد من التوازنات الاقليمية المرنة .

وفيما يتعلق بمستقبل منطقة الشرق الأوسط ، فأن السؤال المركزي : ماذا بعد داعش ؟ ، يبقى رهين هذه التوازنات بعيدا عن ضجيج المؤامرة و دبلوماسية الصوت العالي ، فان الاجابة عليه تكون من وحي النظرية الواقعية بناء على النصر العسكري المتحقق على تنظيم داعش في العراق وسوريا . لحظة الشرق الاوسط الحاسمة جاءت متزامنة مع صعود الشعبوية الترامبية التي تبحث عن التكاليف الاقل ، بما فيها اتاحة التوازنات الاقليمية الجديدة في المنطقة ، وهي تتقدم بخطوات مدفوعة التكاليف على مستوى السياسة الخارجية ، وتتراجع اخرى حينما تكون التكاليف باهضة الثمن وفق قاعدة فن الصفقة التي يجيدها الرئيس ترامب .

صناعة السلام

كل ما يترقبه العالم اليوم عن دور الدبلوماسية في صناعة السلام.

تاريخيا ، اذا كان صلح وستفاليا Peace of Westphalia قد انهى عبر معاهداته حرب الثلاثين عاما في الامبراطورية الرومانية ، وحرب الثمانين عاما ، فكان اول اتفاق دبلوماسي في العصور الحديثة يرسي نظاما جديدا في اوربا الوسطى بناء على قاعدة سيادة الدول .

يبدو ان النظام العالمي اليوم على محك الاختبار بين مزيد من الدول الفاشـــلة أو اختيار انموذج الدولة القومية مع حاجتها للتحديث.

كما يقول الدبلوماسي الأمريكي ريتشارد هاسRichard Haass بأن النظام العالمي قد بلغ مرحلة الانحلال، وأنه لا حل ألا بنظام جديد يجمع بين المبادئ التقليدية المتمثلة في سيادة الدول والقوة العظمى ، وقيام الدول ككيانات ذات سيادة ليس على مصالحها فقط بل على واجباتها أيضا .

اعادة دومينو النظام العالمي ما بعد الحرب ، كان في انموذج مؤتمر يالطا الذي رسم ملامح الأتفاق الموقع بين الأتحاد السوفيتي بزعامة ستالين ، وبريطانيا بزعامة تشرشل ، والولايات المتحدة الأمريكية بزعامة روزفلت ، حيث رسم هذا الاتفاق ترتيبات ما بعد الحرب .

وأمام الشرق الاوسط يالطا جديدة ، محورها ( موسكو ، طهران ، انقرة ) دول المثلث تحاول رسم سياسة المنطقة ما بعد حرب داعش في سوريا والعراق .

بين يالطا القديمة والجديدة كثير من المتغيرات ، ومابين ساحل البحر الاسود ، ومدينة سوتشي الروسية ابعاد تتجاوز التأثير القديم ، في اعادة الهندسة الاقليمية لمرحلة ما بعد الحرب ، والتي سوف تكون بوابة التأثير الكبرى في صياغات الترتيبات العالمية .

حرب باردة

ارث الدبلوماسية الروسية إبان الحرب الباردة التي رفعت شعار (صافح بيد واحمل الحجر بيد أخرى) ، تقدم اليوم بطريقة اخرى.

تهاوي شكل النظام القديم في صناعة السلام الى نظرية اعادة الترتيب الاقليمي اعتمادا على فرضية التوازن الاقليمي المتماثل في طاولة التسويات.

ما بين لقاء الزعيم الروسي بوتين مع الرئيس السوري بشار الاسد في مدينة سوتشي ، اعقبتها سلسة من الاتصالات الدبلوماسية التي جمعت بوتين وترامب وملك السعودية ولقاء روساء اركان روسيا وتركيا وايران كلها مؤشرات لوضع ملامح هذا الشكل الجديد.

 

لقاء الثلاثي ( بوتين – روحاني – اردوغان) وفق مصادر الكريملن سوف يؤكد مضامين الحل السلمي وترتيبات ما بعد الحرب أساسها :

1- الحفاظ على وحدة الأراضي السورية .

2- مستقبل الرئيس السوري بشار الاسد يحدده الشعب السوري .

3- الحفاظ على النظام السوري بعيدا عن الجماعات الريديكالية.

تبدو قمة سوتشي تأتي في أطار ايجاد حل سياسي ، كما جاء في قرار مجلس الامن الاخير المرقم 2254 والمساهمات في رسم خارطة الطريق بين جنيف واستانة .

تبقى رمزية مدينة سوتشي الروسية مدينة الالعاب الاولمبية تحمل بين طياتها رسالة السلام عبر دبلوماسية تحاول تجاوز لغة الحرب ولكن من موقع القوة ، صحيح ان المسافة شاسعة بين اليقين والتفاؤل في العمل الدبلوماسي لكن بالنتيجة تبدو الامور تمضي باتجاه التفاهمات والحوار .

علاقات دولية

ترتيبات السلام في العلاقات الدولية غير ترتيبات الحرب ، ومرحلة ما بعد الحرب أقسى من الحرب ذاتها ، وتبقى الدبلوماسية المتعددة الاطراف في القمم الرئاسية لا تحسم كل شيء ، وتبقى اشكال التحديات الجديدة صورة مختلفة تماما، والأوراق بعد لم تطوى .

خارطة سوريا الجيوسياسة ستعيدها يالطا سوتشي بتوقيع حلفاء واتفاق مع الغرماء .

واقعيا لن تتغير الامور كثيرا ، لكن بالطبع ستكون هناك الكثير من المفاجأت التي سوف تعيد توازن القوى الاقليمي وظهور انماط جديدة من اليات السيطرة في المنطقة ، التي سوف يحكمها اصحاب الريادة .

في عالم ما بعد الحداثة لن يكون هناك تقسم لمناطق النفوذ لكن سوف تتغير موازين التأثير السياسي في المنطقة .

الفارق النوعي يحصل داخل المدن ، وليس الدول، وكأن جغرافيا المكان تخبرنا في سياق التفاوض الدولي عن ظاهرة ( مدن الفعل ) و ( مدن التفاوض) في المشهد الاقليمي ، وانسجام المدن سوف يؤدي الى تحقيق النتائج المطلوبة .

هذا التوازن الأقليمي لن يكون بالفعل بين معسكر شرقي واخر غربي ، بقدر ما سوف يملأ الفراغ الأقليمي معززا بخارطة انابيب الغاز في المنطقة .

روسيا 2018 التي تبحث عن الفوز بكأس عالم سياسي جديد ، وتركيا ما بعد انقلاب تموز ، وايران في عهد الولاية الثانية لروحاني ، وتراشق التصريحات مع واشنطن حول الأتفاق النووي .

مدن الفعل ( الرقة ، البو كمال ، الموصل ، الانبار ) ومدن التفاوض ( جنيف ، استانة ، سوتشي ، طهران ، انقرة ، انطاليا ) ترسم ملامح هذا النظام الاقليمي الجديد.