"علم النفس والسياسة "... رؤية شاملة .

محمد غسان الشبوط باحث سياسي واقتصادي مختص بالشأن التركي.

الرأي - 2017-09-09


 

يعد ُعلم النفس السياسي من أحدث العلوم الإنسانية، فهو مرتبط بشكل مباشر بالعلوم النفسية، فالتعرف على نمط اوسلوك فرد أو جماعة معينة من شأنه أن يساعدنا على توقع ردود الفعل المحتملة لصاحب هذا السلوك بهذا تتبين لنا العلاقة الوثيقة والعضوية بين السيكولوجية وبين المستقبليات،وتبرز أهمية علم النفس للسياسة في سيكولوجياتها الخاصة مثلما هنالك سيكولوجيا للعددان وسيكولوجيا للطفل . . كما إن للسياسة علاقة مباشرة ووطيدة بعلم النفس ذاته وميدان آخر بالغ الأهمية ألا وهو : الثقافة ، أي أن هنالك ثلاثة ميادين للنشاط البشري وللمعرفة البشرية المترابطة فيما بينها أشد الترابط ، هذه الميادين هي: علم النفس ، السياسة ، الثقافة ، وذلك أن الثقافة تلعب دوراً كبيراً في تحديد سيكولوجية الفرد والجماعة ،والسيكولوجية هذه تؤثر تأثيراً مباشراً في السياسة وتصرفات السياسيين وردود أفعالهم في هذا الموقف أو ذاك ، كما أن السياسة تشكل أحد العوامل الهامة في تغيير الثقافة والسيكولوجيا للفرد والمجتمع .

وقد جاء تعريف علم النفس السياسي باكثر من وجهة نظر لمختلف الاطباء النفسيين فقد عرفه (مورتون دويتش )،وهو دكتور في علم النفس بجامعة كولومبيا بأنه: “دراسة تفاعل علم السياسة مع علم النفس، خاصة أثر علم النفس في السياسة،وعرفهُ الاخرون بأنه: استخدام الأساليب والمفاهيم والنظريات علم النفس في تحليل سلوك الجهات الفاعلة في العملية السياسية، وتفسير المواقف والقرارات السياسية باستخدام مصطلحات علم النفس.

ويعدُ علم النفس السياسي هو المجال الأكاديمي المتعدد الاختصاصات ، والذي يقوم على فهم السياسة والسياسيين والسلوك السياسي من المنظور النفسي ، وتعتبر العلاقة بين السياسة وعلم النفس ثنائية الاتجاه ؛ فيستخدم العلماء علم النفس كمرآة لفهم السياسة , وكذلك السياسة مرآة لعلم النفس ، ويعد هذا العلم مجال متعدد الاختصاصات ، لأنة يأخذ مادتهُ من مجموعة واسعة من التخصصات الأخرى ، بما في ذلك: (علم الإنسان ، وعلم الاجتماع ، والعلاقات الدولية ، والاقتصاد ، والفلسفة ، ووسائل الإعلام والصحافة .

كان علماء السياسة يعتقدون أن علم السياسة يقوم على مبدئين: الأول أن الفرد يتحرك لتحقيق مصلحته الشخصية،والثاني يعتمد على سلوكيات الفرد وقراراته تتسم بالعقلانية.

إلا أن العديد من الأحداث السياسية والدولية التي أظهرت وجود عامل مهم في السلوك السياسي للأفراد، ألا وهو الدوافع، قد أوضحت أن ذلك المعتقد في حاجة إلى مراجعة، مما أدى إلى ظهور علم النفس السياسي كتخصص دقيق يهتم بدراسة وتفسير السلوك السياسي باستخدام المبادئ والأساسيات النفسية، وليس كتخصص من التخصصات التقليدية في العلوم الإنسانية، فهو يركز على دور القائد وقدرته على الانفتاح الذهني وتقبل جميع الاراء وكيفية التعامل مع جميع الشخصيات ومن أهم ما يميزهُ ايضاً هو الرؤية الواضحة للاهداف المحددة المدروسة بعناية كاملة، وقدرتهُ على توضيح الرؤيا للاخرين وذلك من اجل خلق الدافع بداخلهم،ويعدُ علم النفس هو المكوّن الثاني لعلم النفس السياسي كما نعلم، يهتم علم النفس أساساً بدراسة النفس البشرية وما يكوّنها من عناصر، في محاولة جادة لفهم تلك النفس بكل ما فيها من غرائز وطباع، نزعات وميول، بواعث ودوافع، وعي ولا وعي، نظراً لأن السلوك الإنساني يتوقف، في معظمه، على التركيبة السيكولوجية للإنسان، فرداً ومجتمعاً.‏

لقد ركز علماء النفس كثيراً على علم نفس الفرد مثل:( سلوك قادة بعينهم، سلوك مواطنين أفراد كمنتجين ومشاركين مثلاً، كما ركزوا على السلوك الجمعي سواء أكان ذلك على مستوى الجماعة أم الأمة لقد امتدت الدراسات السيكولوجية للأفراد إلى ما وراء دراسات السيرة الذاتية لقائد بعينه أو استبيان آراء المواطنين ومواقفهم كي تتضمن محاولات تنظيرية أكثر بحيث تقيم صلة وصل بين سمات الشخصية والتوجهات الإيديولوجية، كما هي الحال بالنسبة إلى الشخصية الاستبدادية الفردية، فيما تضمن علم نفس السلوك الجمعي مسائل تمتد من الأشكال العرقية وغير العرقية لهويات الجماعة وصولاً إلى احتكاك الثقافات المتعددة بعضها بالبعض الآخر والمسائل المتعلقة بقضايا الحروب والتطلع إلى السلام.‏

لقد كان اللب الحقيقي لعلم النفس، منذ أن نشأ، هو تحليل نفسية الفرد والاهتمام بالنفس البشرية ككينونة قائمة بذاتها، لكن مع اتساع دائرة علم السياسة وتطور علم نفس السياسة، بات لا بد من الانتقال إلى الاهتمام بالجماعة ودراسة علم النفس الجمعي، هنا بدت إشكالية مزعجة،فالانتقال من علم نفس الفرد الغني بالمعلومات والمعارف إلى علم النفس الجمعي الوليد، وضئيل المعلومات والمعارف، واجه صعوبة كبيرة قوامها أن علم النفس الجمعي ليس مجرد تراكم لعلم نفس الفرد، نظراً لأن الجماعة ليست مجرد تراكم أفراد، بل هي تراكم كمي يحدث تغييراً نوعياً تماماً، الأمر الذي ترك انعكاسه على علم النفس السياسي وشوهه فترة من الزمن، ذلك أنه برز سؤال هام: إذا كانت الشخصية البشرية كينونة قائمة بذاتها وبالغة التعقيد بذاتها، فكيف بالشخصية الجماعية؟ وإذا كان من العسير فهم سيكولوجيا الفرد فكيف يمكن يا ترى فهم سيكولوجيا الجماعة والمجتمع، الميدان الأساسي لسيكولوجيا السياسة ومجال اهتمامها؟‏

الجواب جاء مع تقدم المعرفة في ميدان علم النفس وتطور التقنيات المستخدمة لاستكشاف بعض العلاقات التفصيلية القائمة بين المواقف السياسية من جهة والأحاسيس والعواطف من جهة ثانية، وكذلك لتحديد هوية عدد من أوهام الوعي واللاوعي، البواعث والدوافع التي تحدد فهم الناس لطبيعة السياسة وقدراتها لكن هذا أفضى إلى تناقض آخر هو أن نسبة صغيرة من مجموعة المواقف والمشاعر الكثيرة التي يقفها الناس ويشعرون بها تجاه السياسة، تظهر فقط في سلوكهم السياسي العملي، مما يعني أن العمليات الظاهرة لنظام سياسي ما، لا تتضمن إلا جزءاً يسيراً من جملة المواقف والتصورات السياسية لدى أفراده المشاركين.‏