السياسة الخارجية العراقية واستثمار النصر العسكري

محمد كريم جبار الخاقاني.

الرأي - 2017-07-23


  • لقاء للسيد ابراهيم الجعفري وزير الخارجية العراقي مع احدى القنوات الفضائية , حول العلاقة بين الدبلوماسية والسلام , قال" تستطيع ان تفتح طرقاً تعجز عن فتحها الدبابات , وتقتحم ما يعجز عن اقتحامه العسكر", لذلك من الممكن ان تنعكس الأوضاع الداخلية لأي بلد على سياسته الخارجية , وبشكل ايجابي أو سلبي , وما يهمنا بهذا الصدد , هو كيفية استثمار صُناع السياسة الخارجية العراقية للنصر المتحقق على عصابات داعش , وما يمكن ان تُشكًله من انعكاسات ايجابية, وانتقال الدبلوماسية العراقية من دبلوماسية مكافحة الأرهاب الى دبلوماسية التنمية , فالاداة الدبلوماسية موازية للاداة العسكرية , فكما ان الحرب انتهت تقريباً بنصر مؤزر عراقياً وبقوته المسلحة وحشده الشعبي , فكذلك يكون للجانب الدبلوماسي معركة قائمة ومستمرة , قائمة بكونها موجودة اصلاً لتراقب سير اداء المعارك وما تُفضي اليه من نتائج من الممكن استثمارها على صعيد المعركة الدبلوماسية , ومستمرة من ناحية عدم توقفها , فتباشر عملها الدؤوب بعد انتهاء المعارك , لتكون معركة الدبلوماسية هي التالية , لتبدأ مرحلة اقناع المجتمع الدولي بضرورة اكمال وعوده لتنمية البلدان المتضررة من المعارك , وكيف والحال مع ما تم تدميره من بُنى تحتية وجسور ومباني وغيرها من متطلبات الحياة , لتكون جزءاً من دين المجتمع الدولي تجاه العراق , لكونه يُحارب نيابة عن العالم ومنذ مدة طويلة , فألى جانب النصر في الحرب من الناحية العسكرية , يجب ان يكون هناك نصراً دبلوماسياً , لاسيما في وجود سوابق عديدة لأنتصارات حققتها الخارجية العراقية وعلى المستوى الدولي, فما من محفلاً دولياً يتواجد فيه العراق , الا واختار الانحياز الكامل لقضيته , فكان نظرة المجتمع الدولي للعراق كبلد , مغايرة, تماماً عن النظرة السلبية والتي طبعت العراق طيلة العقود السابقة , فأصبح العراق من البلدان المحبة للسلام , بعد ان كان سباقاً لتأجيج الفتن والصراعات في المنطقة , لتكون الانطلاقة الحقيقية للسياسة الخارجية بتقلد الدكتور الجعفري لمقاليدها مع بدء ولاية السيد العبادي في ايلول عام 2014, ومع جملة التحديات التي رافقت تلك العملية , فأستطاع بحنكة قل نظيرها من التعامل مع الملفات الشائكة والمستعصية الحل , لتؤرخ لبداية مرحلة جديدة للعراق وعلى المستوى الخارجي , فأستعاد العراق مكانته القيادية في المجتمع الدولي , وتطلعاته الجدية في محو النظرة السلبية , لتتوج التطلعات الدبلوماسية في انتخابه نائباً لمجلس حقوق الأنسان ولأول مرة في تأريخ الدولة العراقية , ونائباً للأمين العام للأمم المتحدة , في انجازاً سيبقى صداه طويلاً , لذلك فقد تنتصر الدبلوماسية ومن دون اطلاق طلقة واحدة وكما يقولون , وبما ان مرحلة ما بعد احداث سقوط الموصل , احدثت متغيرات كبيرة في ادارة السياسة الخارجية , فالعوامل الداخلية للبلد , وما تواجهها من تحديات متعددة ابرزها , ملف داعش والحرب ضده , والملف الأقتصادي وما اعقبها من انخفاض اسعار النفط في الاسواق العالمية , اضافة الى العديد من الملفات الشائكة والتي برزت في تلك المرحلة , ومنها: الملف الأنساني وفي مقدمة تلك الأزمات تاتي ازمة النازحين والمهجرين , بالأضافة الى ملف الأصلاح الذي وعد به رئيس الوزراء العبادي, وبالتالي انعكست تلك المتغيرات على السياسة الخارجية وخصوصاً في تلك المرحلة , ولذلك فأن الدور المُلقى على عاهل السيد الجعفري , كان كبيراً , وللأنصاف كان بمستوى الحدث , وذلك من خلال حركته الدؤوبة ونشاطه المستمر , والتي اثمرت عن نجاحات متعددة للعراق ولدبلوماسيته التي اختلفت جذرياً عما قبل استلام الجعفري لمقاليد الوزارة , ويمكن القول , بأن السيد رئيس الوزراء كان متفقاً الى حد بعيد مع توجهات ورؤئ الدكتور الجعفري فيما يخص ادارة السياسة لخارجية في تلك الفترة العصيبة التي مر بها العراق , لذا انطلق الدكتور الجعفري من فرضية الانفتاح على الدول الاقليمية والدولية في محاولة لجذب الدعم لقضية العراق وخصوصاً انه يُحارب بالنيابة عن العالم المتحضر جميعاً وكما سبق ان تنبأ بذلك الدكتور الجعفري في عام 2004, عندما استشرف اوضاع العالم , وقال بان الحرب العالمية الثالثة قائمة من حيث تمدد رقعتها الجغرافية لتشمل العالم بأسره وليس هناك دولة بعيدة عن متناول تلك العصابات الارهابية , والتي اثبتت للعالم صحة توقعاته , لذلك لابد من دعم معنوي ومادي للعراق من جميع دول العالم في حربه ضد الارهاب , ومن تلك المنطلقات , تبنى العراق سياسة خارجية تاخذ بعين الاعتبار تلك الرؤية , من حيث انها تقدم رؤية للعالم على اساس تقديم الدعم للعراق بأعتباره ساحة الارهاب الأولى , وكذلك اعتماد سياسة حيادية من جميع الاصطفافات الدولية والأقليمية دون ميله لمحور دون اخر , وبالتالي فهو بأنفتاحه على تلك الدول انما فرضته الاحداث الجارية في الأقليم , لذلك فهو يريد تقديم المساعدات من تلك الدول بسبب التصورات الأمنية والتي قد تطال الدول , اذا ما تباطأت في اسناد ودعم العراق , مع التأكيد على حقيقة جوهرية وهي ان العراق هو دولة كبيرة الحجم والتأثير في المحيط الاقليمي ولذلك لابد في تلك المرحلة دعمه على المستوى الحالي وليس المستقبلي , عليه لابد من التركيز على بعض المبادئ التي تسير عليها تلك السياسة الخارجية ومنها : ان الحرب على الارهاب هي عالمية من حيث تعدد الدول التي انضمت للتحالف الدولي لمحاربة الارهاب , ولذلك فأن العراق يمثل رأس الرمح في مقاتلة تلك التنظيمات الارهابية , وذلك من خلال التعدد في جنسيات الارهابيين والذين اتوا الى العراق , وعليه لابد من تقديم كل الدعم والاسناد للعراق في محاربة الارهاب , والدليل على ما نقول , بأن الاحداث الارعابية اتسعت نطاقها لتشمل العديد من الدول ومنها الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا وبريطانيا وغيرها لذلك لابد محاربة عالمية لتلك التنظيمات , ومن تلك المعطيات , نجد بأن الحرب على الارهاب من الممكن ان تكون بداية الانطلاق لسياسة خارجية عراقية قوامها ان النصر على التنظيمات الارهابية عسكرياً يقابله نصراً دبلوماسياً من خلال اقرار القوانين الدولية والتشريعات الخاصة بمكافحة الارهاب والعمل على تعميم ذلك على العمل بروح الفريق الواحد واعتبار ان الخطر الارهابي قائم مادام ان هناك تنظيمات ارهابية تستغل القوانين الخاصة بحقوق الأنسان في الدول الغربية لتنطلق في عمليات ارهابية تهدد كيانات تلك الدول , ومما يؤدي الى تفاقم الأوضاع وتهديد السلم والأمن الدوليين , لذلك لابد من انتهاج سياسات متوافقة مع تلك المنطلقات لتكون بمثابة منهاجاً يسري في جميع الدول , وعليه لابد من استثمار حالة النصر المتحقق على تنظيمات داعش , من خلال العمل على تحشيد الدعم الدولي للعراق في انجاح التجربة العراقية في اعادة الحياة من جديد للمدن المحررة من قبضة الارهاب , وذلك بالدعوة الى عقد المؤتمرات الدولية والتي تبين حجم الاضرار التي لحقت بتلك المناطق وجلب الاستثمارات الدولية واعادة المواطنين اليها , وذلك يتطلب دعماً دولياً كبيراً واستثمارات في تلك المناطق لأعادة بُناها التحتية وبالتالي العمل على تحقيق توازن مابين السياسة الخارجية التي تريد تحقيق النصر الدبلوماسي والنصر العسكري الذي تحقق من خلال القضاء على داعش وانتهاء دولتهم الخيالية .