صنع السلام وبناؤه في محافظة نينوى

محمد كريم جبار الخاقاني.

الرأي - 2017-07-16


"هؤلاء الذين يحبون السلام عليهم أن يتعلموا التنظيم بكفاءة وفعالية أولئك الذين يحبون الحروب".

مارتن لوثر كينغ

 

بأنتهاء الحروب , تبدأ مرحلة جديدة تتمثل في اقرار السلام في محاولة لأنهاء التوتر القائم والذي نجم عن الصراعات المستمرة ومنذ سقوط النظام السابق في عام 2003, والتي ما انفكت دورتها التصاعدية لتهيأ لظهور محموعات ارهابية ابتداءاً من تنظيمات القاعدة وانتهاءاً بتنظيم داعش , والدي اسفر عن مأسي لا حصر لها في مدن العراق ولاسيما في محافظة نينوى, من حيث قتل ابناؤها وتشريد سكانها وتهديم بيوتها ونزوح اغلبية مواطنيها, واضافة الى ذلك كله, تهديم المناطق الاثرية واماكن العبادة , في محاولة لطمس معالم تميزت بها تلك المحافظة , والتي تُمثل عراقاُ مصغراً , حيث تشتمل قاعدتها السكانية , على خليطاُ من المكونات والقوميات والمذاهب , والذين تعايشوا على ارض الحدباء لمئات السنين ,الامر الذي شًكل دافعاً قوياً لتعايشاً سلمياً , لتكون نينوى انموذجاً يُحتذى به لبقية المجاميع السكانية التي تضمها, كل هذا يعتمد بالدرجة الاساس على اجراءات الثقة المتبادلة بين المواطنين , والتي اثمرت على اقرار الحق في لعيش المشترك بين سكانها , فلا فرق بين كردي وعربي , ولا بين مسلم ومسيحي وايزيدي وشبكي , ولابين مكونات الطوائف المختلفة , ولذلك تعايش ابناء نينوى وفقاً لتلك المعطيات , ولكن ما بعد احتلال العراق عام 2003, برزت المشكلة الطائفية في كل العراق , ولم تقتصر على نينوى فقط , مما انعكس بشكل سلبي على اجواء التماسك الاجتماعي والذي دام لسنوات وعقود طويلة جداً , لتزرع بذور التفرقة والشقاق بين ابناؤها , لتكون شرارة العنف المستميت والذي فرضه تنظيم داعش في بداية احكام قبضته على المحافظة بعد احداث 10-6-2014, والتي ارخت لتأريخ جديد في نينوى وهو بداية التناحر بين المكونات في المحافظة , فكان نصيب من يخالف داعش في العقيدة , القتل , فكانت الحصيلة , هو تهجير سكانها من ابناؤها , بحجة اعتبارهم كفاراً ينبغي قتلهم , وكذلك الحال مع ابناء الديانات الاخرى والذين ساموهم سوء العذاب , بالقتل والسبي والتهجير وغيرها من الاساليب التي تتنافى مع مبادئ الدين الاسلامي الحنيف , والتي حملوها زوراً وبُهتاناً , والاسلام منها براء , لتكون الموصل ومدنها , ساحة لتصفية السكان , والذين لا ذنب لهم , سوى انهم من غير ملة التنظيم الارهابي , فكانت الكارثة الأنسانية , التي لحقت بالموصل من جراء تلك التصرفات والافعال غير الأنسانية , والتي اوصلت المدينة الى ما وصلت اليه , فحارب التنظيم الجاهل , كل مظاهر الحياة فيها , من خلال الدعوة الى نشر تعاليمهم الملوثة بحقد الاخر , والغاء الاخر , لتكون دعوة نازية جديدة , والتي عملت على تهديم وتشريد وتهجير وقتل كل من يقف بطريقهم , أو يحاول الجدال معهم بشأنها , لتكون نينوى , قندهار الثانية , لأبتعادها عن كل ما يشير الى الحضارة والأنسانية , فالارهاب قد فتك بالمدينة ولم يُبقي حجر ولا شجر , فضلا ً على بشر , الا وتمت محاربته من قبلهم , وفي ظل تلك الأوضاع المأساوية والتي اصبحت حياة السكان داخل نينوى من الصعوبة بمكان , اخذت الصيحات تتعالى من اجل انقاذهم من ويل ذلك التنظيم وسوداويته , فأنتخى العراقيون , وكما عُهد عنهم , بأن استجابوا لصرخات اطفال نينوى وصيحات ثكالى المدينة وانين الموجوعين من شيوخها , لتنتفض الغيرة العراقية , في دعوة صمام الوحدة العراقية , الى الانتظام في صفوف طويلة , للأقتصاص من الظلمة والجهلة والحاقدين , لتنطلق عمليات تحرير نينوى , في 17-10-2016, بعد استكمال الترتيبات النهائية للمعركة الحاسمة مع الارهاب , لتحرير الأنسان قبل الارض , لتكون دعوة مضادة لأفكار التنظيم المتوحش , والذي حاول بظلامية افكاره , ان يعمم تلك الافكار ويُسمم العقول , لذلك كانت المعركة ذات ابعاد كبيرة جداً , من حيث اشتمالها على البُعد الأنساني , والذي عملت القوات المسلحة على التعامل وبمهنية فاق نظيرها , مع تلك الحشود المنتفضة على داعش , من خلال عدم التمييز بين المواطنين , وبغض النظر عن قومياتهم وطوائفهم ومذاهبهم , لتكون ملحمة انسانية , بكل ما للكلمة من معنى , فكانت توجيهات القيادة العليا تنطلق وفقاً لذلك المبدأ , والذي يشير الى عدم تمييز بين الشعب العراقي , والذي حاولت الماكينات الأعلامية الصفراء , ان تستغل ظروف ذلك , من اجل تأجيج فتنة طائفية مقيتة , ولكن وعي المواطنين ورغبتهم من الخلاص من كابوس الارهاب والذي جثم على صدورهم لسنوات ثلاث , كان دافعاً في القضاء على ذلك , فأندفعت الجموع المدنية والتي تم فك سجنها من قبضة الارهاب , نحو القوات المسلحة , بعد تهيأة الممرات الأمنة واضافة الى التعاون الذي حصل بين المواطنين في تلك المناطق والجهد الاستخباراتي والذي كان له اكبر الاثر في الحصول على المعلومات عن اماكن تواجد المجاميع الارهابية , لتتعامل معها القوات المسلحة بجدية , لتكون بوادر الثقة موجودة بين الطرفين , وهي من اولى واهم خطوات صنع السلام وبناؤه في المحافظة , بعد داعش والانتصار عليهم في المعركة.

ومن ذلك المنطلق , ومن اجل تحقيق تلك العملية والعودة السريعة والمطلوبة لجميع المواطنين لمناطقهم بعد الخلاص من داعش , يبنغي الاشارة الى مجموعة من الخطوات والتي يجب التعامل معها لتحقيق عملية صنع السلام وبناؤه في محافظة نينوى , لتكون مشروعاً لتعميمه لبقية المحافظات المتضررة من داعش والارهاب ومنها:

1-العمل على اشراك جميع المكونات في محافظة نينوى في عملية التسوية واقرار الاتفاقيات , والتي تكون اساساً لبداية جديدة فيها , اذ ان اشراك جميع مكونات المحافظة وبدون تمييز بينهم على اساس العرقية والقومية والمذهبية , يعني عدم تهميش اي من تلك المجموعات في ادارة المحافظة بعد داعش .

2-العمل بشكل جدي على اعطاء القدرات المحلية لأبناء المحافظة , من اجل انهاء الصراع والنزاع بين المكونات والتي تضمها المحافظة, وتعزيز المؤسسات الحكومية , والعمل من اجل المشاركة في صياغة القرار السياسي مما يعزز من امكانية السلام بين الخصماء .

3-العمل على ترسيخ وجود المجتمع المدني , لأمتصاص الصدمة التي نتجت عن حكم التنظيم المتشدد للمدينة , وذلك من اجل افساح المجال امام تلك المنظمات المدنية من اجل اثبات وجودها , في اقرار السلام وتعزيزه , من خلال برامج تلك المنظمات والتي تسعى كل منها وحسب اختصاصاتها في المجتمع الموصلي , لتكون انطلاقة حقيقية لأستعادة الروح لذلك المجتمع والذي انتكس بفعل وجود التنظيم الارهابي, من خلال العمل على احترام الهوية داخل المجتمع والعمل على بناء المؤسسات السياسية والاقتصادية والاحتماعية والثقافية , والتي تكون مهمتها الرئيسية , العمل على عدم تلك الصراعات المدمرة داخل المجتمع .

4-تعزيز المشاركة الشعبية في الاتفاقيات والتي ستعقد , من اجل تهيأة قاعدة شعبية لتلك العملية , بأعتبار ان مشاركة القطاعات الشعبية في اقرار اتفاقيات السلام , من شأنها ان تُنمي الرغبة في اقرار السلام الدائم داخل المحافظة , بالأضافة الى ان شمول القطاعات الشعبية في عملية السلام بين المكونات داخل المحافظة , يعني احتمالية تعزيز الاتفاقيات واحتواءها على قضايا قد تكون من القضايا المعقدة والتي تستعصي على الحل , وبالتالي امكانية مناقشتها في عملية السلام , وبالتالي تًضفي تلك المشاركة الجماهيرية , الشرعية لتلك الأتفاقية .

5-تعزيز حكم القانون والعمل على احترام حقوق الأنسان , والعمل على عودة النازحين الى مناطقهم , وان يكون ذلك دافعاً لحفظ النظام داخل المدينة , وذلك من خلال استعادة الدولة ومن حيث بسط سلطة الدولة على المحافظة , وبالتالي ارساء الأمن والنظام فيها.

6-العمل على دعوة المنظمات الدولية ومن ابرزها الأمم المتحدة , من اجل العمل على اعادة اعمار المدينة المدمرة وخصوصاً البُنى التحتية والتي تأثرت بفعل المعارك مع تنظيم داعش , واصلاح شبكات الكهرباء والمياه والمجاري وغيرها من مستلزمات الحياة الأخرى , من خلال الدعوة الى عقد مؤتمرات للمانحين والعمل على توفير ذلك وبأقرب وقت ممكن .

7-العمل على ازالة كل مظاهر التسلح في المحافظة , وحصر السلاح بيد الدولة فقط , ومن خلال مؤسساتها الأمنية , الأمر الذي يعطي انطباعاً مفاده , بان مرحلة ما بعد داعش , هي ليست ما قبلها , وبالتالي , التأكيد على ذلك , من خلال اقرار بنداً في الاتفاقية والتي ستًؤسس لمرحلة جديدة قائمة على اساس المواطن فوق الجميع , وبذلك ستكون ميزة اضافية , افرزتها المعركة والانتصار على داعش , بأن موضوع السلاح , ينبغي التعامل معه , من خلال اجهزة الدولة الأمنية بأعتبارها الحامية للمواطنين , وقتال اي مجموعة لا تمتثل لتلك التوجيهات واعتبارها خارجة عن القانون .

وعليه , فأن صنع السلام وبناؤه في نينوى , من الممكن ان يكون نموذجاً لكل المحافظات والتي تأثرت بشكل أو بأخر من الارهاب , اذا ما توفرت النية الحسنة والرغبة في اقرار السلام , لتُنهي بذلك مرحلة سادت فيها اعمال العنف والارهاب والتي لم يكن فيها , الا المواطنين الخاسر الأكبر.