كيف نقرأ الانتصار في معركة الموصل؟

محمد كريم جبار الخاقاني.

الرأي - 2017-07-11


بعد تسعة أشهر من انطلاق عمليات قادمون يا نينوى , هاهي بشائر النصر المؤزر تُكتب بأيادي عراقية , اذ تم من خلال المعركة , دحر اسطورة داعش , والتي لطالما رددتها وسائل اعلام مغرضة , لغرض التهويل من امكانيات وقدرات العدو ولاسيما بعد تمكنه من احتلال الموصل في 10-6-2014, لتكون المنطقة على موعد من الصراع المستمر بين قوى الخير وقوى الشر والظلام , بين الحق واهله , وبين الباطل ومريديه , فمن تلك الموقعة , بدأت فصول جديدة في كتابة التاريخ , ولتبدأ في التكوين خارطة جديدة في اساسيات علم المقاومة والدفاع عن الأرض , فأصبحت الموصل بعد عام 2014, ذات ابعاد دولية , من خلال تشابك المصالح واختلاف الأهداف بين مجموعات متصارعة ومتنافسة من اجل احياء مشروع تقسيمات جديدة في المنطقة الملتهبة اصلاً في الصراعات , فمنذ سيطرة داعش على الموصل وغيرها من مدن العراق , والتي قُدرت مساحتها بثلثي مساحة العراق , انما خلقت وضعاً دولياً لم تألفه المنظومة الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية , حيث استحوذ الفاعل غير الدولي , على مساحة اكبر من مساحة بريطانيا , وسيًطر من خلالها على ابرز مناطق الطاقة في العراق وسوريا , لتكون بمثابة الشريان الأقتصادي لدويلتهم المزعومة, وهذا الوضع المستحدث , قد نشأ من اختلاف في الرؤئ والمصالح , بين دولاً ارادت وضع تصورات جديدة لما بعد الثورات العربية في عام 2011, فكانت الموصل ضحية التصارعات والتجاذبات بين مختلف القوى والأحزاب العراقية والتي عجًلت خلافاتها بعد انتخابات عام2014 في اعطاء الضوء الأخضر لتنظيمات اجرامية من احكام سيطرتها على مقاليد المحافظات وخصوصاً في الطرف الغربي من العراق , مستغلة احداث الفوضى الناجمة عن القيام بالتظاهرات والتي استعر نشاطها واخذت ترفع من سقف مطاليبها لتطال وجود الدولة من خلال المطالبة بتنفيذ مطالب بنظرهم مشروعة ولكنها كانت تُمهد للقضاء على التجربة الديمقراطية الوليدة في العراق بعد عام 2003, اضف الى ذلك كله , استثمار التوتر القائم بين القوات الأمنية والمواطنين في تلك المناطق , مما اضاف بعداً اخراً في جدلية العلاقة بينهما , ولغايات مشبوهة ومن اجل تنفيذ المخططات القادمة من وراء الحدود العراقية , اشتعلت المحافظات العراقية والتي تًطالب بأقرار المطالب , وعمت الفوضى واخذت بالافلات من السيطرة مما اجج التوتر وزاد عن حده , ليجعل من ذلك الشرارة الأولى لذخول داعش والتنظيمات الأرهابية واخذ زمام المبادرة , لتنهار القطعات الأمنية هناك من خلال هجوم المجاميع المسلحة , لتسقط المدن الواحدة تلو الأخرى , في مشاهد دراماتيكية مثيرة , الأمر الذي اثار القلق والهلع في صفوف العراقيين وهم ينظرون لتلك المشاهد المؤلمة , وليصل التهديد الى بغداد ومحاولة العصابات الأرهابية الوصول اليها , لتنطلق المرجعية العليا في النجف الأشرف , بدعوتها للجميع , بضرورة الدفاع عن العاصمة والوطن من خطر تلك العصابات , ولتُطلق الدعوة الى الجهاد الكفائي لجميع ابناء الشعب العراقي وبكافة قومياته وطوائفه ومكوناته , لتكون دعوة وطنية للدفاع عن العراق , وهي ليست مختصة بفئة دون غيرها , ولا بطائفة محددة , بل شملت العراق , فكانت جموع المتطوعين والراغبين بحمل السلاح , مشاهد ملؤها الفخر والأعتزاز , في ان في العراق , رجالأً اكفاء لا يقبلوا بمثل ذلك الوضع , فكانت الجموع تُسابق الريح من اجل الدفاع عن الوطن , فتأسست فصائل الحشد الشعبي , لتكون خير سند للقوات المسلحة , ولتضيف الروح المعنوية العالية والحماسة المنقطعة النظير , الكثير من الأنتصارات والتي تحققت بفضل ذلك التلاحم البطولي بين مكونات الشعب العراقي وابتداءاً من جرف الصخر ومروراً في امرلي وتكريت وبيجي والفلوجة والأنبار وصولاً الى الموصل , حيث معركة الحسم واستعادة الأرض والعرض , في ملاحم جهادية سيكتب التاريخ عنها الكثير وبحروف من ذهب , سيكتب التاريخ ان هناك تماسكاً مجتمعياً قد خلقته فتوى الجهاد الكفائي من حيث انها وحًدت العراقيين وبكافة اطيافهم ومسمياتهم , تحت راية العراق الواحد , لتكون درساً لمن يريد العبث بمشاعر العراقيين , لقد كان لتأسيس الحشد الشعبي , اضافة مميزة لقواتنا المسلحة من خلال , رفع الروح المعنوية والتي انكسرت بفعل احداث حزيران عام 2014 , وما تلاه من سقوط مدوي للمدن العراقية بقبضة التنظيم المتوحش , لتُعيد الروح من جديد فيها من خلال الانتصارات المتكررة لتلك القوات وبمعية الحشد الشعبي, والتي اصبحت من القوات الأمنية وتحت امرة واشراف القائد العام للقوات المسلحة , والتي اسكتت الألسن التي تعرضت لفصائل الحشد الشعبي والتي اتهمتها بأوصاف لا تنطبق عليها , بل غاضهم الانتصارات المتحققة والتي سطروها لتُعيد الفرحة من جديد على شفاه العراقيين من خلال استعادة الأراضي التي كانت تحت سيطرة الأرهاب الداعشي .

ما يمكن الاشارة اليه من تلك الملحمة الجهادية , يبرز في :

1-ان تلك الأنتصارات لم تكن تتحقق لولا فتوى الجهاد الكفائي والتي اعلنتها المرجعية الدينية في النجف الأشرف , لانقاذ العراق من السقوط في يد تنظيم داعش الارهابي.

2- اعادة الروح المعنوية للقوات المسلحة والتي تأثرت بفعل التوترات الناجمة من سوء تقدير للمواطنين في تلك المناطث , مما شًجع اصحاب النوايا السيئة والمخططات التقسيمية من خارج الحدود , لتفتيت العراق الى دويلات متعددة.

3-التلاحم البطولي لقوات الحشد الشعبي وبالاشتراك مع القوات المسلحة , اسهم في تحقيق الانتصار تلو الأخر, والتي قضت على فلول الأرهاب وخصوصاً في عقر دار الخلافة المزعومة.

4-من النتائج المرجوة من تلك الانتصارات المتتالية , انها اعادت التماسك والتلاحم بين المواطنين والقوات المسلحة , بحيث كان المواطنين من خلال الدعم المقدم من قبلهم والمعلومات التي يبلغوا بها القوات الامنية , اكبر الأثر في سحق العصابات الداعشية , لتعود من جديد العلاقة المتميزة التي تربطهم بقواتهم والتي من اهم اهدافها , الحفاظ على امنهم .

5-اثبت الحشد الشعبي , انه الظهير المساند للقوات العسكرية , وانه قد تشًكل من جميع ابناء الشعب العراقي , وليس مختص بفئة أو قومية أو مذهب معين, بل هو لجميع العراقيين , مما يعكس الترابط والتلاحم بين مكونات الشعب العراقي الواحد.

6-اثبتت التجارب المُستقاة من المعارك , عن انسانية التعامل لقواتنا المسلحة , وذلك من خلال التعامل وفقاً لقواعد القانون الدولي الأنساني , مما يعني انتهاج أُسس ومبادئ جديدة في التعامل مع تحديات المعارك , وايلاء البُعد الأنساني الأهمية القصوى , لذلك تعتبر من التجارب الناحجة وبأشادة الجميع من منظمات دولية وشخصيات عالمية , والتي اكدت على هذا الجانب الأنساني , وبذلك تكون القوات المسلحة مثالأ للتعامل الأنساني على الرغم من قساوة المعارك وطبيعة التحديات فيها , اضافة الى الانتهاكات المستمرة من قبل العدو للأعراف الدولية في ذلك الشأن , مما جعل الهدف من المعارك وكما بيًنه القائد العام للقوات المسلحة السيد حيدر العبادي , انها معركة تستهدف تحرير الأنسان قبل كل شيء.

7-لابد التأكيد على البًعد الدبلوماسي للمعارك , من خلال توضيح الجوانب المُشرقة للتعامل المهني لقواتنا المسلحة مع المواطنين وعكس الصورة المطلوبة من ذلك الى الوسط الدولي , لتبدأ معركة اخرى مساندة للمعركة العسكرية وهي المعركة الدبلوماسية والتي نجح فيها العراق ومن خلال دبلوماسيتنا النشطة والتي تمثلت بجهود شخصية للسيد وزير الخارجية العراقية الدكتور ابراهيم الجعفري , من خلال شرح ابعاد المعارك وطبيعة القتال والتعامل الانساني لقواتنا المسلحة وحشدنا الشعبي , للمجتمع الدولي , مما اعطى انطباعاً مغايراً لحقيقة ما يجري بفضل الماكينات الأعلامية المأجورة والتي غاضها حجم الانتصارات المدوية وتحرير الأراضي العراقية من سيطرة التنظيم الأرهابي, لتعمل الخارجية العراقية ومن خلال القنوات الدبلوماسية على تسليط الضوء على دحض الأفتراءات المنسوبة لقواتنا المسلحة وفضح الادعاءات الرخيصة لتلك القنوات الصفراء .

8-التأكيد بعد انتهاء المعارك الحربية على ايلاء الجانب الخدمي والأنساني وعودة الحياة من جديد للمدن المُحررة , ويكون ذلك من خلال العمل على جذب الأستثمارات الأجنبية لأعادة اعمار ما خلًفته سيطرة تنظيم داعش الأرهابي , من حيث تهديم البُنى التحتية ومرافق الحياة الأخرى , اضافة الى عودة النازحين الى ديارهم , بعد توفير مقومات الحياة الكريمة لهم .