منطقة الفراغ في العلاقات الدولية

د. ياسر عبد الحسين

كتب المركز - 2017-05-21


معلومات الكتاب

عنوان الكتاب: منطقة الفراغ في العلاقات الدولية الرهان الأمريكي – الروسي في عالم متغير

المؤلف: الدكتور ياسر عبد الحسين

دار النشر: مركز بلادي للدراسات والابحاث الاستراتيجية .

مكان النشر : بغداد.

سنة النشر: 2016.

عدد الصفحات : 215.

 

قراءة في كتاب منطقة الفراغ في العلاقات الدولية

عرض : علي بشار أغوان

باحث دكتوراه علاقات دولية وشؤون إستراتيجية جامعة النهرين

 

يشكل كتاب الدكتور ياسر عبد الحسين الموسوم " منطقة الفراغ في العلاقات الدولية " الرهان الأمريكي الروسي في عالم متغير ، أطروحة فكرية دولية جديدة في ثناياها ومضامينها برؤى عراقية شابة يحاكي فيها الكاتب الطريقة الأمريكية في تقديم المعلومة للمتلقي من خلال امتحان الفرضيات العلمية المعتمدة على الحث الفكري للنظريات التي سادت في العلاقات الدولية في مراحل مختلفة وتحديثاتها،ذلك عبر أسلوب السهل الممتنع والذي يستهدف التحديد المباشر للإشكالية من ثم قياسها عبر الاختبار.وقد استطاع الدكتور عبد الحسين ان يقدم من خلال تفاصيل ومحاور كتابه إشباعاً فكرياً أكاديمياً (نظرياً وعملياً) وافياً،فضلاً عن توفير أرضية خصبة لإعادة هندسة دراسة العلاقات الدولية بمفاعيلها المتشعبة من منطلقات منهجية لا تقليدية وبما يعزز الشبق البحثي والفكري في هذا التخصص. بالمحصلة العامة،يكاد يكون هذا الكتاب بمثابة الانتقالة الموضوعية والميكانيكية والتي يمكن ان تدُرس من خلالها الظواهر في العلاقات الدولية (ببعدها التطبيقي والنظري) بأسلوب حداثوي يحاكي به الطريقة المعاصرة في الكتابة في عالم اليوم الذي اقل ما يمكن القول عنه انه متسارع سواء على مستوى الفواعل أو مستوى النظام العالمي نفسه.

هل نحتاج إلى نظرية في العلاقات الدولية ؟

احتوى الكتاب فضلا عن مقدمته التي تناولت تفاصيل متعددة وأسئلة تتعلق بالنظرية السياسية وشكل كينونة النظام العالمي ومفاعيله،على ستة عشر محور رئيس يناقش بها الكاتب في محطات متنوعة موضوعات منهجية وتطبيقية جاء أهمها السؤال الذي يقول هل نحتاج إلى نظرية في العلاقات الدولية ؟ إذ يجيب الكاتب على هذا السؤال بسؤال اكثر عمقاً وحاجةً للاجابة يقول ما فائدة علم السياسة إذ لم يستشرف لنا المستقبل ويوضح لنا صوره ؟ من ثم ينطلق لتوضيح وتشخيص مكامن الخلل الموجودة داخل علم العلاقات الدولية إذ حددها بثلاث عناصر رئيسة أولها العلاقات الدولية نفسها بتسارعها وتغيرها غير المنضبط والخلل الثاني الموجود في مناهج دراسة هذا التخصص والتي لم تعد تصلح دائما لامتحان الفروض النظرية على الوقائع التطبيقية.من ثم حدد الخلل الثالث وأعزاه إلى المشكلة المعقدة في آلية صنع القرار داخل مؤسسات الدول من ثم ترجمته على أسس فعل سياسي خارجي لها.من ثم ينتقل الكاتب لنقاش جدليات وموضوعات متعددة في نفس المحور تتعلق بالنظام الدولي واختلافات تسمياته التي تطلق عليه ، وقد طرح أسئلة متعددة كان أهمها:هل هو نظام دولي أم عالمي وهل هو نظام قديم أم جديد ؟

دورة حياة العلاقات الدولية

شمل المحور الثاني من كتاب الدكتور عبد الحسين موضوعة دورة حياة العلاقات الدولية ، وقد قسمها بناءاً على أساس رؤية منهجية إلى مجموعة من المراحل بدأت بمرحلة أولى اسماها بمرحلة الفوضى والتي سادت قبل معاهدة ويستفاليا1648من ثم بدأت المرحلة الثانية منذ ويستفاليا حتى مؤتمر فينا 1815 حينما تم عبور السلطة الدينية للدولة وبدأت القومية تترسخ بعد تجربة طويلة ، من ثم بدأت بعد ذلك مرحلة ثالثة امتدت منذ مؤتمر فينا حتى الحرب العالمية الأولى 1914 والتي كانت بعنوان تعميق النقاش حول إعادة صياغة توازن القوى من ثم انتهت هذه المرحلة لتبدأ بعد ذلك المرحلة الرابعة مع انتهاء الحرب العالمية الأولى 1919بتطوير أنموذج الأمن الجماعي بشكل كبير.وقد بدأت المرحلة الخامسة بحسب توصيف الدكتور عبد الحسين مع انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 وتأسيس الأمم المتحدة حتى تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1989 .وقد بدأت المرحلة السادسة مع بداية ما اصطلح عليه بالتفرد أو الهيمنة منذ عام 1991 حتى أحداث 11/أيلول 2001 لتبدأ بعد ذلك مرحلة أخرى سابعة اسماها الكاتب مرحلة الحرب على الإرهاب بعد أحداث 11 أيلول 2001والتي امتدت حتى بداية المرحلة الثامنة التي وصفها الكاتب أنها بدأت بعد عام 2014 وصعود الجماعات الإرهابية المسلحة ووصولها إلى مرحلة تأسيس الدول بشكل علني في مختلف المساحات الجغرافية.

التصدع وانهيار النظرية

ناقش الدكتور عبد الحسين في بداية هذا المحور نظرية الاحتواء للدبلوماسي الأمريكي جورج كينان والتي تم تطبيقها حيال الاتحاد السوفيتي من ثم تبنيها من قبل الدبلوماسي الأمريكي وسفير الولايات المتحدة في إسرائيل مارتن اندك وتطويرها من ثم تطبيقها ضد إيران بعد أحداث 11/أيلول 2001 وما تمخض عنه لاحقاً باتفاق عام 2015 كان نتيجة لتطبيق نظرية الاحتواء الإقليمي لإيران عبر الحد من طموحاتها عبر الدبلوماسية وليس العمل العسكري المباشر.بعد ذلك قدم الدكتور عبد الحسين خارطة موسعة لأهم النظريات التي دخلت مجال التطبيق في العلاقات الدولية بعد الانهيار الكبير للمسرح الجيوسياسي العالمي عام 1989 وما ظهر بعد ذلك من أفكار أيديولوجية ذكر منها عبد الحسين نظرية نهاية التاريخ وبناء الدولة لفرناسيس فوكوياما وانتصار الرأسمالية والليبرالية والديمقراطية النهائي من ثم تعرض لاهم المراجعات التي اجراها هذا المفكر على أفكاره لينتقل عبد الحسين بعد ذلك ليناقش نظرية صدام الحضارات واهم الأفكار التطبيقية التي وردت فيها وتم ترجمتها في مسرح العلاقات الدولية كما ذهب الدكتور عبد الحسين وأسهب في مناقشة رؤى وبصمات المفكر الاستراتيجي الأمريكي زبيغينيو برجنسكي في العلاقات الدولية والتي ناقش من خلالها وضع الولايات المتحدة العالمي عبر كتابه الموسوم رؤية إستراتيجية،من ثم لينتقل الكاتب لنقاش أهم الأفكار التي قدمها الهندي - الأمريكي بارج خان في كتابه العالم الثاني والذي جادل فيها قضايا عدة تتعلق بالتحولات النظمية والبنيوية في هيكلية النظام الدولي.

نظام متعدد وحراس مترددون

يقول الدكتور عبد الحسين في مطلع تأسيسه البحثي لهذا المحور، ان الجدال لا يزال قائما حول ماهية القوة ومفهومها وتطبيقاتها في صياغة علاقات الولايات المتحدة مع العالم والتي انقسمت بدورها إلى مدارس متعددة أهمها المدرسة الداعية للعودة الى الداخل والانعزال ومدرسة الانفتاح العالمي المسؤول والذي اجبر الكاتب على الدخول في تفسير النظريات المهيمنة على السياسة الأمريكية الحالية وهي الواقعية من ثم المثالية (الليبرالية) ويقدم أهم فروض هذه النظريات ونتائج امتحانها في المجال التطبيقي الدولي ، لينتقل بعد ذلك لتقسيم مناهج دراسة العلاقات الدولية اليوم اذ صنفها في اتجاهين اثنين أهمها الاتجاه أو المنهج التقليدي الذي احتوى على المناهج الفرعية (القانونية والتاريخية والمثالية والواقعية والسلوكية ومنهج تحليل في إطار سياسات القوى الكبرى) وانتقل الدكتور عبد الحسين لتحديد المناهج المعاصرة والتي ضمت بحسب تصنيفه لها إلى (منهج تحليل النظام السياسي الدولي ومنهج التوازن الدولي ومنهج اتخاذ القرار ومنهج المباريات).وقد كانت عملية عرض هذه المناهج بمثابة التمهيد لامتحان النظريات واهم فروضها وتقديم حولها ملاحظات عامة كالنظرية البنائية والنظرية الوظيفية وناقش أفكار مدرسة ما بعد الحداثة في تفسير النسق الدولي الذي يمر في مراحل متعددة أهمها الفوضوية الحالية.

 

نظام عالمي بلا قيادة

في ظل فوضوية النظام العالمي وانفلات النظم الإقليمية وعجز النظريات عن تقديم تفسيرات تتفق فيها المدخلات مع المخرجات ، يناقش الدكتور عبد الحسين موضوعة القيادة على مستوى العالم والتي أصبحت اكثر سيولة وميوعة من أي وقت مضى في ظل بروز الفرد الرقمي كمعطى جديد من معطيات الفواعل فوق القوميون ، كما يعرض الدكتور عبد الحسين في هذا المحور فكرة القوة وتشتتها من قبضة الدولة القومية الى فواعل جدد عابرين للقومية أضافوا تعقيدا اكبر على طبيعة العلاقات الدولية وتحليل النظام العالمي وقد برر عبد الحسين ذلك وعززه برؤى الكاتب ايان بريمر والذي قدمها بكتابه عالم بلا قيادة حول ان المخاطر المحدقة بالعالم لن تكون باستطاعة دولة واحدة مواجهتها وهذا ما يوضح بشكل عميق موضوعة تشتت القوة وتوزعها تحالفات أو تالفات وتكتلات اقتصادية وعسكرية كبرى في ظل عالم العولمة الذي شكل الفراغ في القيادة المفردة.

القوى الكبرى و G – Zero

يحدد الدكتور عبد الحسين في بداية هذا المحور القوى الكبرى ويقول أنها تضم الولايات المتحدة والصين وروسيا واليابان والاتحاد الأوربي ومجموعة دول بريكس ويبدأ بتحليل التناقضات الموجودة بين هذه القوى من منطلقات التنافس والتعاون والصراع يتحدث عن مساحات في النظام الدولي تلتقي بها ومساحات أخرى تتباعد حولها الرؤى والرغبات.يتحول الدكتور عبد الحسين في جزء آخر من هذا المحول لنقاش موضوعة القوى الأخرى كألمانيا المتحولة شيئاً فشيء من نمط الجيوبلتيك الإقليمي الى النمط الجيوبلتك العالمي المؤثر من ثم يفتح الدكتور عبد الحسين النقاش عن موقع بريطانيا التي كانت عظمى في السابق ممهداً لنقاش دور بريطانيا الجديد في ظل الوضع الفوضوي ، لينتقل بعد ذلك عبد الحسين لفهم الدور الفرنسي في النظام الدولي وضعفها السياسي في مرحلة حكم هوولاند.ينتقل الدكتور عبد الحسين للحديث كبداية مركزة عن الصين ويدرس دبلوماسيتها الأمنية من خلال ما اسماه بالشراكات الثنائية والتكتلات وكل ذلك كما يوصفه عبد الحسين بسبب ما حققته الصين خلال الثلاثين عام الماضية من منجزات تتعلق بـ سرعة النمو الاقتصادي والتطوير الفلسفي الذي أصاب النظام نفسه والتحول من الاشتراكية المباشرة إلى اقتصاد السوق المتدرج وتجذير ثقافة الإصلاح في المجتمع الصيني على مختلف القطاعات ليقدم أخيراً إستراتيجية الحمامة الصينية التي حددت من خلالها كيف تنظر الصين للعالم.يتحول الدكتور عبد الحسين للحديث عن الاتحاد الأوربي وعن وحدته الاقتصادية الكبيرة والتي حققها لكن تبقى المشاكل موجودة داخل الاتحاد أهمها عدم وجود سياسة خارجية موحدة يمكن اعتمادها في السياسة الدولية تعبر عن وجهة نظر الأعضاء كذلك تبقى الرؤية الأوربية رهينة الى حد ما بالسياسات الأمريكية في العالم وهنا يبحث الدكتور عبد الحسين موضوعة الاستقلالية في السياسة الخارجية الأوربية.ينتقل الدكتور عبد الحسين للحديث عن اليابان ويتحدث عن سياستها الخارجية في ظل عالم مضطرب ودبلوماسية يابانية تعتمد بشكل رئيس على تعزيز تحالفها مع الولايات المتحدة وتعميق تعاونها مع دول الجوار والمحيط الحيوي فضلا عن تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية كوسيلة لتعزيز الاقتصاد الياباني.وقد تطرق الدكتور عبد الحسين إلى الدور الروسي في أطار تكتل بريكس الاقتصادي وتحدث عن تعاونات كبيرة قد تتطور لاحقاً إلى تحالفات أعمق مع الهند والبرازيل وجنوب افريقيا والصين.ينتقل عبد الحسين أخيرا للحديث عن الاستراتيجيات الثالث في مرحلة الحرب الباردة وما بعدها ويدرس أهم التحولات التي طرأت عليها والتي تتضمن العامل العسكري والاقتصادي ومن ثم الاقتصادي (النفطي – الغازي) .

الفاعلون من غير الدول والصدمة الموازية

ينطلق الدكتور عبد الحسين في هذا المحور من رؤية تحليلية للنظام العالمي وفواعله من غير الدول ويعرض لأهم الاتجاهات التي تدور حول النظرة الواقعية وتفسيراتها للمجتمع الدولي المنعدم والتدويل التي تنطلق من رؤية توزيع الأدوار على وفق المهام والعالمية التي ترى ان المجتمع الدولي هو مجتمع أخلاقي بالدرجة الأساس ويتحول سريعا عبد الحسين لبحث الأدوار غير التقليدية التي يمارسها هؤلاء الفاعلون في عصر الشبكات والعولمة كالأفراد الشبكيون والشركات متعددة الجنسيات والجماعات الإرهابية والمواطن الدبلوماسي ودبلوماسية المنظمات الإرهابية ودبلوماسية الفواعل من غير الدول والدبلوماسية الرقمية من ثم يمتحن هذه الفروض عبر دراسة الكيفية التي باتت تؤثر جل هذه المتغيرات على بنيوية النظام نفسه وتفاعلاته الكلية والفرعية.

أوهام العلاقات الدولية

ويشرح الدكتور عبد الحسين هنا أفكاره التي يوصفها بأنها أوهام موجودة في مناهج دراسة وتطبيقات العلاقات الدولية ،إذ يقول ان مبدأ المساواة واحترام السيادة هو مبدأ تعرض لاهتزازات كبيرة لا يتم العمل به في كافة المحافل والعلاقات ما بين الدول ألا في ظل المنظمات الدولية في بعض الأحيان.ويذكر عبد الحسين محوراً أخراً من الأوهام ويقول عنها بضرورة إعادة تعريف الحروب وتصنيفها بعد بروز أطراف غير دولتية تشكل تهديدات متعددة على الجميع.ويضيف الدكتور عبد الحسين وهماً ثالثاً من أوهام العلاقات الدولية وهي تحليلها عبر ما يسمى الدولة القومية أو الدولة الأمة التي باتت تفضي إلى نتائج تحليلية غير مرضية.ويتحدث الدكتور عبد الحسين عن موضوعة تفكيك وتركيب الصورة في الرأي العام العالمي وكيف تتم تسويق بعض الأمور كالهند التي تسمى بلد اللاعنف رغم أنها شنت ست حروب خارجية في حين ان الصين يتم تصويرها على أنها تهديدا كبيرا ولم تدخل سوى حربين اثنين منذ عام 1949 ضد الهند وكوريا.لينتقل إلى وهم تفسير القوة عبر القوة ويتحول إلى النقطة السادسة حول ما اسماه بأكذوبة القانون الدولي من ثم الوهم السابع والمتعلق بضرورة إعادة قراءة وظائف الدولة التقليدية في ظل العولمة والوهم الثامن المتعلق بتفسير النظام الدولي على وفق أهواء الرأي العام ليختم بنقطة تاسعة بموضوعة القطبية التخصصية التي يقدمها كبوابة لتفسير الهيكلية الدولية.

متغير الإرهاب في العلاقات الدولية

يدرس الدكتور عبد الحسين في هذا المحور ظاهرة الإرهاب ويبحث أثرها العالمي الذي بات واضحة للعيان ويستعرض أهم الاستراتيجيات التي يتم تطبيقها في مرحلة المكافحة العالمية له واهم المتغيرات التي طرأت على البيئة الدولية نتيجة لتنامي هذا الخطر.فضلا تقديم الرؤية الأمريكية حول الظاهرة وكيفيات مواجهتها واحتوائها عبر ما قاله منظرو وصناع القرار الأمريكي السابقون والحاليون كمادلين اولبرايت واوباما وجوزيف ناي.كما قدم الدكتور عبد الحسين الرؤى الروسية واستعرض الموقف العام لروسيا حول أهم المنطلقات الفكرية في التعامل مع هذه الحالة.

هل الحرب على داعش ضرورة أم اختيار (رؤية أمريكية)

يقدم عبد الحسين في هذا المحور مجموعة من الحروب ويناقشها من حيث مبررات انعقادها وأسبابها الموجبة فلسفياً واستراتيجياً والدخول بها ويركز على الرؤية الأمريكية في هذا الصدد.ويشرح عبد الحسين أهم التيارات الفكرية المهيمنة على الإستراتيجية الأمريكية ويحصرها بين جملة من المدارس ذات التفرعات المتعددة كالمدرسة الانغماسية والانكفائية والحيادية والانعزالية ودعاة الزعامة العالمية من ثم ينتقل لسحب تأثير جل هذه المدارس على إستراتيجية اوباما التي حددها في مكافحة الإرهاب العالمي ويحدد في نهاية المحور أهم التكتيكات التي احتوتها الإستراتيجية الأمريكية في حربها ضد تنظيم داعش الإرهابي ليختم بعد ذلك بالمعضلة التي أصابت الفعل الخارجي على أيجاد أرضية الحسم الملائمة للطموحات الأمريكية.

الرؤية الروسية في الحرب على الإرهاب

يشرح الدكتور عبد الحسين في هذا المحور آليات روسيا في تعضيد مكانتها الدولية عبر التركيز في نشاطاتها على مناطق التوتر والأزمات في العالم.كما يستعرض الرؤى البوتينية لأهم الأولويات التي تضطلع روسيا للعمل على معالجتها وتحقيقها وأهمها التأكيد على الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين والعمل على أقامة علاقات إستراتيجية رصينة مع مختلف دول العالم بما يحفظ مصالح الجميع وتعضيد السياسات التي تتعلق بمواجهة الأزمة المالية العالمية كما تعمل روسيا على تقليل الهيمنة الأمريكية وسيطرة القوى الأخرى على مصادر الطاقة العالمية.ينتقل بعد ذلك الدكتور عبد الحسين ليتحدث عن الإستراتيجية الروسية في الحرب على الإرهاب العالمي.

سوريا : الماكندرية الروسية

ينطلق الدكتور عبد الحسين في هذا المحور من مقولة وزير الخارجية الروسي الأسبق اندريه كوزيف التي تقول (لقد أدركنا ان الجغرافية السياسية تحل محل الايدولوجيا) من ثم يحلل عبد الحسين أهم مسوغات الاندفاع الروسي حيال سوريا من بوابة العودة من جديد إلى المياه الدافئة في الشرق الأوسط والتي تشكل ركيزة أساسية للعودة إلى المسرح الجيوسياسي العالمي عبر البوابة في سوريا والمناطق الأخرى في العالم ويتحدث عن كيفية تحول سوريا إلى نقطة اختبار تعددية في سياسة روسيا واليات صعودها من جديد نحو القطبية التعددية.

الغاز : أحجية الصراع الدولي والإقليمي

يتحدث الدكتور عبد الحسين في هذا المحور عن مسارات الحروب المستقبلية والتي سيكسبها الطرف القادر على تأمين ممرات الطاقة العالمية (لاسيما الغاز) في الشرق الأوسط ومحيطه الحيوي ، وكيف سيعاد تشكيل خارطة المصالح الإقليمية والدولية على وفق حسابات الغاز والمنافسة الروسية الاوربية الأمريكية على تشكيل خارطة الغازية الجيوسياسية وتأمينها عبر بلدان الشرق الأوسط واوكرانيا وشبه جزيرة القرم والتي تشكل الرقم الصعب في حسابات السياسة الدولية بعد اقرار اتفاقيات التقليل من الانبعاث الحراري والتي ستحول شكل الاستهلاك من النفط الى الغاز الأقل ضرراً بالطبيعة مفسراً عبد الحسين ذلك ومحللاً ان الصراعات القائمة الان في سوريا والعراق واوكرانيا هي صراعات لتثبيت اركان المستقبل الغازي لدول التنافس العالمي.

نظام ما بعد الدولة – الجديد

يتحدث الدكتور عبد الحسين في هذا المحور عن إستراتيجية القوة الذكية التي تبنتها الولايات المتحدة كعنصر تعويض لتراجع مكانة الولايات المتحدة الأمريكية العالمية والقائمة على اساس تبني الحلول غير العسكري وجعل التدخل المباشر بالياته العسكرية اخر المطافات للحفاظ على المصالح القومية الأمريكية ، من ثم ينتقل عبد الحسين بعد ذلك ليبحث في محور عنوان كتابه الرئيس عبر مخطط وضعه من خلال رؤيته التحليلية الخاصة يتعلق بتقسيم النظام العالمي إلى عدة فروع أهم ما جاء بها هو ما اسماه (بمنطقة الفراغ أو حالة الفراغ) التي يمر بها النظام الدولي كمرحلة من مراحل تطوره بالإضافة إلى مرحلة التعددية القطبية والأحادية القطبية والنظام المخطلط واللاقطبية والفوضى العالمية.ينتقل عبد الحسين بعد ذلك للحديث عن مقاربات الدولة ومفهومها وتصنيفاتها الرئيسة ويستعرض مختلف الرؤى والطروحات التي بدأت تتحدث عن تغيرات كبيرة حدثت في نظريات الأمن القومي الشامل وشكل وطبيعة أجيال الحروب والقتال المباشر بين جيوش نظامية ، كما ركز عبد الحسين على دراسة دور التنظيمات الإرهابية المسلحة في تغيير خارطة العقائد الأمنية واستراتيجيات التعامل معها ومنعكسات ذلك على النظام العالمي نفسه ومتبنياته وأولوياته في إدارة شؤونه.

ثورة التحالفات

في محور كتابه الأخير ، يتعرض الدكتور عبد الحسين لموضوعة فلسفة التحالفات ويبين مقتضيات البيئة الدولية الحالية الدافعة في اتجاه تعزيز الجانب الايجابي لإرساء التعاون من خلال عقد التحالفات فيما بين الدول لينتقل ويشرح كيف ان التحالفات في بيئة سريعة التغيير والميوعة بدأت تظهر حتى على تلك الفواعل من غير الدول كالمنظمات والجماعات والأفراد ليعرض عبد الحسين بعد ذلك مراحل التحالفات الدولية الرئيسية والذي يحددها بمحورين أساسيين يتفرعان منهما مراحل أخرى هما مرحلة النمو والاتساع ومرحل التدهور من ثم ليقدم أخيراً دعوة لتهيئة أرضية رصينة لدراسة التحالفات التي انعقدت على أساس الحرب على تنظيم داعش الإرهابي في العراق وسوريا من خلال دراسة الأبعاد النظرية في العلاقات الدولية للتحالفات وسحبها إلى الجانب التطبيقي.

محصلة ختامية :

يمكن القول ختاماً ان كتاب الدكتور ياسر عبد الحسين يمثل نقلة نوعية بارزة في حقل تخصص العلاقات الدولية ببعده التطبيقي والنظري لما قدمه من مفاهيم ومفردات فككت التدافعات الفكرية التي لطالما أرقت كبار الباحثين في مجال التخصص وأدخلتهم في دوامات التيه البحثي، وما شكله هذا الكتاب من محاولة جادة لتأسيس أرضية بحثية رصينة تكون نقطة انطلاق جديدة للباحثين الآخرين ولسبر غور هذا التخصص بأفكار ورؤى حداثوية ، على هذا الأساس يمكن تسجيل جملة من الاستنتاجات الختامية حول الموضوع تتعلق بالاتي :

  1. أصبح من الصعب دراسة العلاقات الدولية ببعدها التطبيقي العملي بناءاً على ما قدمته النظريات التقليدية لدراسة هذا التخصص ، ذلك لما أصاب العالم من سرعة فائقة وقابلية كبيرة على التحرك في ظل رعونة المتغيرات وكثافتها .
  2. تمكن الدكتور عبد الحسين من تقديم خارطة جيوسياسية للمسرح العالمي شرح فيها شكل ومعالم هذا النظام ومفاعيله وأطرافه التقليديون وفوق التقليديون من ثم أسس عبد الحسين لأهم منطلقاته البحثية ورؤاه المستقبلية والتي قد يتخذها هذا النظام شكلاً مستقبلياً وعنواناً له.
  3. عرض الدكتور عبد الحسين طبيعة التوجهات العامة للقوى الكبرى في النظام الدولي وشكل التفاعلات القائمة فضلا عن دراسة موضوعة التحديات التي تواجه كل قوة بتنوعاتها وبفعل دفق الفواعل الجدد في العلاقات الدولية وما صاحب ذلك من تشتت قووي وتشضي عام للمفاهيم في هذا التخصص .
  4. ان محاكمة وتحليل الوقائع والأحداث الدولية على وفق فكرة ان المدخلات ليس بالضرورة بعد الآن ان تتطابق مع المخرجات هي ثابتة نسبية بدأت تنتشر بشكل كبير لاسيما في عملية امتحان الفروض النظرية وقياسها عملياً وهو ما أكد عليه الدكتور عبد الحسين من خلال سياق كتابه البحثي.
  5. صار من الضروري للغاية أجراء ثورة منهجية بالغة الأهمية يعاد من خلالها صياغة النظريات التقليدية في تحليل وتفسير العلاقات الدولية بما يتفق مع حجم وشكل المتغيرات وتطور الفواعل وأشكالهم.
  6. ان المناهج التقليدية أصبحت لا تفي بالغرض لتقديم بيانات يمكن اعتمادها في صياغة الأفعال الداخلية والخارجية من ثم تأسيس عليها استراتيجيات الدولة العليا ، بل ان ثورة المناهج أصبحت ضرورة ملحة تغذي الشبق الفكري البحثي لدى كثير من المهتمين والمتخصصين في حقل العلاقات الدولية.
  7. ان عملية الدمج ما بين التطبيقي والنظري الذي قدمها عبد الحسين في كتابه ، تمثل إضافة قيمة للعمل البحثي التخصصي الذي يزاوج ما بين العلم المتجرد والواقع المبني على أساس المصالح والقيم والأيديولوجيات المتضاربة.