المعنويات العسكرية

القاموس السياسي - 16-03-2016



المعنويات تعرف عموماً على أنها حالة ذهنية إما تشجع أو تعيق العمل، ويعبر عنها بالروح المعنوية والعقلية والأخلاقية والمادية للقوات التي تدفعها لأداء الواجب بتفانٍ وإخلاص، والقوات التي تمتلك معنويات مرتفعة تظهر عليها الشجاعة، والثقة، والانضباط، والحماس، والاستعداد لتحمل المشاق والتضحيات للواجب العسكري في جميع أنواع الظروف، ومن جانب آخر فإن ضعف الروح المعنوية يمكن أن يؤدي إلى الفشل والهزيمة.
أهمية الروح المعنوية للجنود درست منذ العصور القديمة، والجيوش الحديثة عرفت أن الروح المعنوية هي بالإضافة للتسليح والتدريب الجيد أهم عناصر النصر، وأوائل القادة العسكريين مثل فريدريك الكبير وجد أن الهزيمة تحدث للجنود من مشاعر الإحباط وضعف المعنويات أكثر من أن تأتي من الخسائر المادية، ولنابليون مقولة شهيرة قال فيها: "إن الروح المعنوية تتفوق على القوة الجسدية بثلاثة أضعاف"، وكان نابليون يكافىء جيوشه لرفع روحهم المعنوية بالجوائز والأوسمة أو الترقيات.
التفاني في المعركة
قبل القرن العشرين كانت قيادات الجيوش تُعرَّف بأن الجيوش تحتاج للاهتمام بتأمين المطالب الأساسية، فالمأكل الجيد والمسكن والملبس والأجر هم شروط أساسية للمحافظة على ثبات الروح المعنوية للجيوش، وأدركت العلوم العسكرية أن وجود أيديولوجية فكرية للجندي هي أقل أهمية من خلق ولاء وحب وإخلاص للقيادة في أرض المعركة، فالجندي يطيع ويتفانى كثيراً من أجل قائد فصيل أو كتيبة يحبه ويحترمه، وأيضاً أدرك السلوكيون أن الجندي يتفانى في أرض المعركة منذ تاريخ الحروب في سبيل وعد بالنصر أو المجد أو الحصول على غنائم من الحرب.
وإذا طغت غريزة حب البقاء على الجيوش فإن ذلك من شأنه أن يثبط عزيمتها في القتال وقد تتشتت وتنهزم وقد تتجمع وتعيد رص صفوفها وتربح المعركة مرة أخرى إذا وجدت من يبعث فيها الأمل في النصر.
تدوير القوات
المفاهيم الحديثة لأهمية الروح المعنوية للجندي تبلورت أثناء الحرب العالمية الأولى بعد أن كان الجندي يظل قابعاً ولفترات طويلة في خنادق المعارك وفي ظروف سيئة، فلوحظ أن بعض الجنود بدأت تظهر عليهم علامات الصدمة النفسية من المعركة، وهؤلاء كانوا يوصمون بالجبناء، إلى أن تعرف علماء النفس على أن كل إنسان يستطيع تحمل الأحداث الضاغطة بشكل مختلف عن الآخر، وأن الروح المعنوية المرتفعة تسهل تكيف الجندي لأحداث ساحة المعركة الضاغطة، وأوصت الدراسات بمبدأ إعادة نشر القوات في ساحة المعركة، بمعنى أن تدوير القوات يعطي فرصة للجنود لالتقاط أنفاسهم ويعطي الجهاز العصبي للجندي فرصة لتجديد النشاط، فالضغوط النفسية طويلة الأمد تضعف الروح المعنوية وقد تؤدي إلى ظهور الاضطرابات النفسية على بعض الجنود.
تشريح الشجاعة
أما اللورد تشارلز موران وهو طبيب مشرف على الجنود في الحرب العالمية الأولى فقد كتب أول منهجية لتحليل معنويات القوات أسماها "تشريح الشجاعة"، ونشرت لأول مرة في 1945 وقال أن الشجاعة هي عنصر من عناصر الشخصية، إلا أن لها بداية ولها حدود ونهاية تتوقف عندها، وعلى القائد الفذ أن يتعرف على حدودها عند الأفراد، واعتقد موران أن الجبان هو شخص فاقد للروح المعنوية.
وفي الحرب العالمية الثانية ظهرت دراسة للروح المعنوية على يد مجموعة من علماء النفس، الذين اكتشفوا أن الخوف والقلق إنما هي انفعالات إنسانية موجودة عند كل الناس، وأن الجندي الذي يمتلك معنويات عالية يتغلب على الخوف والقلق عن طريق "الإحساس بالواجب".
والآن أضيف عنصر "الإحساس بالواجب" إلى المكونات الأساسية المعززة للروح المعنوية، فأصبح المأكل والملبس والتدريب والانضباط، والإخلاص للقيادة ولرفقاء السلاح إلى جانب الإحساس بالواجب هي المحفزات الأساسية للروح المعنوية.
الإحساس الجمعي
ووفقاً لكتاب مارشال الذي نشر عام 1947 بعنوان "رجال في خط النار" فإن الروح المعنوية تعزز بين الجنود الإحساس الجمعي بوجود خطر مشترك يهددهم، وهذه المشاعر توحد صفوفهم وتسمح بظهور عقل جمعي يوجه سلوكهم، ورغم الانتقادات التي وجهت لمارشال إلا أن التفاعل الاجتماعي ووحدة الصف في مواجهة مصير مشترك تعزز الروح المعنوية.
وإدارة المعركة تتطلب أن تكون الأهداف المرجوة واضحة أمام الجنود، وأن يكونوا على علم بوجود خطر مشترك، فالناس يتوحدون أمام عدو مشترك يهددهم ويتناسون خلافاتهم ويترفعون عن صغائر الأمور في سبيل مواجهة محنة مشتركة، وهذه استجابة غريزية جبل عليها الناس.
ولقد ظهرت دراسات علمية تفسر قدرات الجيش الألماني في الحرب العالمية الثانية على المحافظة على تفاني جنوده في القتال كان منشأها الروح المعنوية العالية للجندي الألماني، وكان أبرز معززات الروح المعنوية للجندي الألماني هي:
أ- التركيز على إيجاد ولاء وعلاقة إخلاص بين الجندي وقيادته حتى على مستوى الفصيل.
ب- الاهتمام بالتفاعل الإيجابي الفعال والولاء المشترك والعلاقات الحميمة بين الجنود.
الإنسان قبل الآلة
وكانت هذه العوامل المعنوية فاعلة ومؤثرة في قوة الجيش الألماني الذي كبد الحلفاء خسائر فادحة حتى عندما انتقل إلى مرحلة التقهقر والهزيمة، فكان الجيش الألماني وهو منسحب يكلف الحلفاء خسارة جندي واحد مقابل كل جندي واحد من جيشه.
ورغم أن مرحلة ما بعد الحرب الباردة هي مرحلة تعتمد على الحرب الإلكترونية والتي تدار عن بُعد وبأسلحة ذكية، وأيضاً نحن على أعتاب حرب تكون بها الأسلحة الكهرومغناطيسية عنصراً فعالاً في مستقبل المعارك، إلا أن الروح المعنوية تظل عنصراً مهماً لأنها تؤثر في الإنسان الذي يدير آلة الحرب، فالآلات لاتدير أنفسها، فإن انهزم الإنسان من الداخل انهزمت الآلة التي يديرها.

الروح المعنوية والمحددات البيولوجية
ذهب مجموعة من العلماء إلى أن الفرد هو ليس فقط صنيعة البيئة وإنما تلعب العوامل الوراثية والجينية دوراً مهماً في شخصيته وسلوكه، ووجدوا أن كل القدرات لها جانب فطري موروث، والبيئة فقط تقوم بصقل هذا الجانب، وأن العسكرية بمجملها تتطلب قدرات خاصة كالتصميم والشجاعة والقدرة على تحمل الصعاب، وقيل أن هذه القدرات بمجملها لها جانب موروث، وأن العسكرية مثل أي مهنة لايصلح لها كل الأفراد، وأن الروح المعنوية إنما هي محصلة تفاعل القدرات الفطرية مع الظروف البيئية الملائمة، وأن العسكري المتمرس الذي يتمتع بروح معنوية عالية هو عسكري بالولادة، وإنما التدريب ما هو إلا إظهار لهذه القدرات الكامنة.
الروح المعنوية والعدو
وجد السلوكيون أن السلوك البشري هو سلوك جمعي يتأثر بالمحيط الاجتماعي، وأن جندي واحد يمتلك معنويات منخفضة من شأنه أن ينقل هذه الروح الانهزامية للآخرين، ويشددون على أنه في أثناء الحرب والأزمات يجب عزل من يظهر روحاً معنوية منهزمة عن الآخرين خوفاً من تأثيره السلبي على أداء زملائه ورفقاء سلاحه، فعلى قادة الفصائل أن يعوا بأن الروح الانهزامية لفرد قد تنتقل للآخرين وأن يحسبوا لذلك الحساب في أوقات الأزمات.
المصدر : د. كامل مطر الفراج